تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ومتفرقة على ألسنة قوم لم يكن لهم التفات إلى العلوم والفنون ولاحظ في صناعة الحروف والتأليف ، نرى أن العرب قد صرفوا الهمة في إيجادها . فوضعوا لهذه اللغة العجيبة ضوابط وقوانين لأجل صيانتها من الفساد . ورتبوا لها كتب لغة مشهورة قد جمعوها عن ألسنة العرب لأجل حفظها وجعلوا لها فنونا كثيرة مستظرفة كالمعاني والبيان والبديع والعروض وهلم جرا ، لأجل تهذيبها وتحسينها . وكذلك الأشعار التي وجد عند العرب منها أكثر مما وجد عند باقي شعوب العالم ، لم تكن إلا من نتائج اجتهادهم وجود قريحتهم . ومن الغريب أنه مع وجود أشعار هوميروس وورجيليوس وغيرهما من شعراء اليونان واللاتينيين المشهورين ، لا يوجد في أشعار العرب شيء مقتبس منها . صفات العرب في درسهم للعلوم : أولا جودة العقل العربي ، وحسن استعداده لتحصيل العلوم ولا سيما ثلاثة أنواع منها : وهي العلوم الطبيعية والعلوم الرياضية والعلوم اللغوية . حتى أنه لا يوجد في العالم قوم يقدرون أن يفوقوا العرب حتى لا نقول أن يدركوا طبقاتهم فيها . ثانيا : ثبات العرب وتجلدهم في مقاساة المشقات والمصاعب المقترنة طبعا بتحصيل العلوم ، وذلك لدى وجود الأسباب المحركة إليها . ويزيد ذلك وضوحا إذا اعتبرنا قلة الوسائط وضعفها في تلك الأيام . فإن الخار والسيال الكهربائي كانا حينئذ غير خضاعين للإنسان ، وكانت المطبعة التي تحسب من أكبر قوات العالم وانظارة المكبرة التي قلبت كثيرا مبادئ الأولين من أساساتها لم تزل مستورة تحت الغوامض . ثالثا : فضل العرب على العالم في هذا الأمر ، وذلك من أوجه عديدة : منها أنه فيما كانت العلوم والآداب في خطر الفقد والتلاشي بسبب الحروب والمنازعات والفتن الأهلية في العالم الغربي وجدت لنفسها في مدارس العرب ملجأ تأوي إليه . فحافظ العرب على الحلقة المتوسطة من سلسلة العلوم التي تربط العلوم القديمة بالعلوم الجديدة . ولولا وجود هذه الحلقة لكنت ترى خلاء متسعا بين العلوم القديمة والعلوم الحديثة لم يكن سبيل إلى ملئه . رابعا : فضل اللغة العربية وطواعيتها في قبول العلوم دون احتياج إلى استخدام لغات أجنبية إلا في ما ندر . وبما أن اللغة هي من أقوى الوسائط لوجود الآداب وانتشارها بين أهلها ، لا بأس إذا توسعنا قليلا في الكلام على اللغة العربية وما يتعلق بها على وجه الاستطراد ، فنقول : . . كما أن الناس تحتاج إلى الناس
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 211 | محمد خاقاني أصفهاني