تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
شخصيا . وهي كالضيوف لا تثبت إلا عند من قام بحق ضيافتها . ثانيا : إن العقل البشري إنما يحصّل العلوم بواسطة الحواس على سبيل التعلم والاستقراء ، ومن شأنه أن لا يسع أمورا متضادة في وقت واحد . ومن ثم كان لا يمكن اجتماع العلم والرذيلة معا . وبما أن العقل لا يجدّ في تحصيل شيء إلا لغاية ، ولا يحتمل مشقة إلا إذا كانت لذة ما يطلبه أقوى منها قلما تطلب العلوم لذاتها . والعقل قد يكون في حالة السبات أو الانتباه من هذا القبيل . ولا يخفى أن المناخ والعادات الخصوصية لها تأثير شديد في العقل ، وأنه يوجد تفاوت في العقول من جهة الاستعداد للعلوم بين قوم وقوم ، كما يوجد بين الأفراد . وما أشدّ تأثير الميل والحكم السابق في العقل من جهة تحصيل العلوم ومعرفة الحقائق . ثالثا : لا بد من وسائط إسعافية خارجة عنه لاكتساب العلوم . فمن أعظم هذه الوسائط الانتقال والسياحة من مكان إلى مكان . ومطالعة الكتب ووجود الآلات التي لا يمكن الحواس التوصل إلى المطلوب بدونها . والأسباب المحركة التي تنبّه العقل وترغّبه في ذلك والمثال والحماسة المنغرسة طبعا في الإنسان . ولا يخفى أن حرية الفكر المستعبد لا يمكن أن يكون فيه استعداد كما يجب للعلوم . وبما أن الخطب تحسب وقد وجدت في البلدان المتمدنة ممن أكبر الوسائط وأحسنها لنشر المعارف بين العموم ، قد تحرك البعض من الذوات المعتبرين من سكان هذه البلدة من إفرنج وأبناء العرب إلى الانتظام في عمدة تعرف « بعمدة الخطابات » لأجل تمكين الطلبة الراغبين في الحصول على هذه الواسطة . وباستدعاء وطلب هذه العمدة قد وقفت الآن أمام سيادتكم لأجل صرف حصّة من الوقت في البحث عن الموضوع المتقدم ذكره وهو آداب العرب . فأقول : إننا كثيرا ما نسمع أبناء العرب يتباهون متفاخرين بكون أجدادهم الأقدمين هم الذين انعموا على العالم بالعلوم والفنون ، مع أن الأكثرين منهم لم يتيسر لهم الوقوف على الحقيقة . ونحن شديدوا الاعتقاد بصحة قول بعض الأفاضل : لا تقل أصلي وفصلي أبدا إنما أصل الفتى ما قد حصل . وبأن وصول أجدادنا إلى أعلى طبقة من العلوم لا يجعلنا علماء ، ولا يوجب لناحق الافتخار ، إذا لم نكن نحن أنفسنا كذلك . فقد رأينا أن نذكر بعض قضايا تاريخية من هذا القبيل يتبين منها مقدار جهاد المتقدمين ودرجة فضلهم في هذا الأمر . ويستعين بها