تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
المتأخرون من أبناء هذا الزمان على الوقوف على الحقيقة . وعسى أن تكون وسيلة لحثهم وترغيبهم في اقتفاء آثار أسلافهم . وقد قسمنا خطابنا هذا إلى ثلاثة أقسام وهي الآتية : القسم الأول : في حالة العلوم بين العرب قبل ظهور الإسلام . القسم الثاني في حالة العلوم بين العرب بعد ظهور الإسلام . . . ولكن نفورهم من الأمور العلمية كان يتناقص بالتدريج بقدر امتداد ديانتهم وملكهم . ولا ريب أن امتلاكهم للبلدان السعيدة التي كانت مقرّا للذوق والرونق القديم ولّدت فيهم روح لطف وتمدن . فكان تقدمهم في هذا الأمر سريعا وعجيبا كما كان في ميادين الحرب . ولما كان الجهل والتبربر مستوليين بسطوة شديدة على كل قسم من البلدان الإفرنجية وذلك بسبب الحروب الثائرة والمنازعات المتمكنة بين ملوكها ورعاياها ، بحيث لم يبق للعلوم والآداب سوق ولا محام وجدت العلوم والفنون في مدارس العرب ملجأ تستظل فيه مرتاعة من غدر تلك الأزمان وغباوة تلك الأجيال المظلمة . ومع أن آداب اليونان اقتضى لها اتعاب متوالية مدة ثمانمائة سنة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في أيام پاركليس ، نرى أن رغبة العرب ونشاطهم في اكتساب العلوم ونجاحها كانا شديدين بهذا المقدار . حتى أنه لم يمض إلا مائة سنة أو أكثر قليلا بين أعمق توحّشهم وبربريتهم وبين امتداد العلوم وانتشارها في ممالكهم المتسعة . فإن عمر بن الخطاب أمر بإحراق مكتبة الإسكندرية سنة 641 للمسيح ، وسنة 750 ارتقى العباسيون المحامون عن العلوم إلى تخت السلطنة . وذلك من أغرب وأعجب الحوادث التاريخية حتى أن أوروبا نفسها صارت مديونة لمخالفي ديانتها وحريتها بأثمن مثالاتها في العلوم والفنون . . . فمما تقدم بيانه يتضح لنا شدة حرص العرب في تلك الأيام على اكتساب العلوم والآداب واجتهادهم في نموها وانتشارها . وإذا حققنا النظر في ما وصل إلينا من فضلات علومهم وآثار جهادهم نرى أنهم وإن يكونوا قد أخذوا علوما وفنونا كثيرة عن اليونان والعجم والكلدان بواسطة الترجمة والاقتباس لا يمكن إن يسلّم بأنهم إنما كانوا متقلدين لا مخترعين كما يزعم بعضهم ، لأننا نرى أن العلوم نفسها التي سبقت الإشارة إلى أنهم ترجموها من لغات أجنبية قد اخترعوا فيها وزادوا عليها أمورا كثيرة جدا . . . فإننا إذا أمعنا النظر في العلوم المتعلقة باللغة العربية التي كانت قبل الإسلام لغة عديمة الضوابط والقوانين