وتحت كل هذين المذهبين أقوال لا فائدة من استقصائها ولكل فريق حجج واستدلالات لا مجال لتحقيقها في هذا المقام . وأي هذه الأقوال كان الأصح فلا شك أن اللغة وضعت عند أول مجتمع إنساني ضرورة الافتقار إلى التخاطب والتفاهم ، لما أن الإنسان مدني بالطبع إذ هو مخلوق على حالة لا يستتبّ له فيها جلب الحاجات التي بها قوام شخصه وبقاء نوعه ودفع العوادي التي يكون بها هلكته وانقراضه ، إلا بالتعاون والاجتماع . وهذا هو معنى المدنية . فتحصّل من ثمّ أن اللغة طبيعية في الإنسان لأنه مدفوع إليها بحاجة طبيعية ركّب الخالق سبحانه القدرة عليها في هذه الجوارح الصوتية من الحنجرة المهيّئة للصوت وما يليها من عضل الحلق واللسان والشفتين القائم بها تكييف هذا الصوت وإخراجه على مقاطع يتميز بعضها من بعض وهو الصوت المنطقي . وإنما كان الصوت هو آلة التفاهم والبيان لأنه يتناول بالأذن فيصلح لإفهام المقبل والمعرض والقريب والبعيد . وسائر الدوالّ من الإشارة ونحوها وإن قامت ببعض هذا البيان لا تتناول إلا بالنظر . والنظر يستلزم اتجاها مخصوصا إلى المنظور ، فيصلح للمقبل دون غيره . وتأدية المعاني بالصوت أمر طبيعي مخلوق في الإنسان بدليل مثله في الحيوان الذي هو بعيد عن كل اختراع . فإنه إذا دعاه الطبع إلى الإبانة عن شيء من انفعالاته أبان عنه بالصوت ، ولم تر الإشارة في شيء من الحيوان إلا في بعض أصناف القردة . فإنها قد تستعين بتزوية وجوهها وبعض عضلاتها المقدّمة إشارة إلى معان لا تستوفيها أصواتها . ومن هذا يؤخذ أن الصوت أقدم من الإشارة ، وبدليل المولود منا فإنه إذا أحسّ ألماً استهلّ بالبكاء . وإذا تمثل له استغراب شيء ضحك وإذا كان مسرورا ناغى نفسه بأصوات تدلّ على ذلك الوجدان فيه ، وقس على ذلك سائر الانفعالات النفسية ، كأنين المريض وتأفف المتضجر وتأوه الأسيف وغير ذلك مما ينقاد إليه الإنسان بالسليقة ، ويفهم منه لأول إطلاقه . إلا أنه لما كانت جوارح الصوت في الإنسان أطوع لتكييفه وتحقيق مقاطعه كان الإنسان ناطقا بالطبع ، يدل على كل معنى بلفظ موضوع له وسائر الحيوان لا يخرج عن مثل ما ذكر من الأصوات الطبيعية يدل على انفعاله بطبقة الصوت وهيئة إطلاقه بين أن يكون ليّنا أو خشنا أو عاليا أو سافلا إلى ما شاكل ذلك . فهو بالصوت الموسيقي أشبه منه
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 213
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص٢١٣