بالصوت المنطقي . ولذلك كان أكثر حاله الدلالة على المعاني الوجدانية من نحو الحزن والألم والخوف والحنوّ والغضب وأشباهها . وقلما يدلّ على معنى خطابي كدعاء الوالدة من الطير مثلا فراخها للزقّ ، وكصنيع النمل إذا تداعت لخطب أو شأن مهم من نحو دفع عدو مقبل أو نقل مغنم ثقيل وكما يراقب في قواطع الطير أنها تقيم لأنفسها ربيئة تنفض الجوّ حولها . فإذا أحست عدوا صاحت بالإعلام والإنذار فأجفلت الطير كلها تطلب النجاة إلى غير ذلك مما يقع به التفاهم ومما اتفق عليه علماء الطبائع بتكرر المشاهدات وإن لم يتبينوا كيفيته إلا أنه على الجملة محصور في حدود لا يتعداها ترجع إلى صيانة الحياة وبقاء النوع . وبديه أن اللغة لم تجر على لسان الإنسان دفعة واحدة . وإنما وضعت شيئا بعد شيء . على قدر احتياج أهلها في التعبير وعلى قدر ما يسعه الاستنباط لأول مرة . فكانت في أول وضعها مقصورة على بيان الضروريات من المعاني الوجدانية والطبيعية . وبعض الأفعال والأسماء الكثيرة العروض في أحوال التقلب والمعاش ، مما تدور عليه حال البداوة الأولى وما يزال مشهودا لعهدنا هذا في الأمم البعيدة عن منازل الحضارة والعمران ولا تعدو في أكثر شأنها الكلم المفردة تتعاورها المعاني المتشابهة وتستخدم لكل ضرب من الصيغ التصريفية ولا يكاد يتألف منها معنى تركيبي . ولا شك أن الألفاظ الدالة على الوجدان هي أقدم شيء في الوضع . لأن معانيها أقدم في الطبع ولذلك كثر فيها الصوت الهاوي الذي هو أبسط الأصوات . ونعني به هنا حرف اللين على إطلاقه . وقلما دخل في تركيبها غير أحرف الحلق لقرب مخرجها من الحنجرة التي هي موضع تمثّل الصوت . وذلك من نحو : آه وآخ وويّ وويه وهي وأشباهها مما نعبّر عنه بأسماء الأصوات ، وهي من اللفظ المشترك في أكثر اللغات على صور متقاربة . ثم إذا تفقدنا الألسنة القديمة وجدنا كثيرا منها منقولا عن الأصوات الطبيعية ، تحداها الإنسان بمنطقه وحكى به الصوت المسموع ، فاهتدى السامع إلى مراده بمعرفة ذلك الصوت في عهده . وذلك أن لفظ دقّ مثلا إذا اعتبر فيه جانب الحكاية ولا شك أنها كانت معتبرة زمان الوضع كان حقيقا أن يدل بنفسه على المعنى المقصود منه ، لأنه حكاية الصوت الطبيعي الناشئ من صك جسم جامد بمثله . وقس عليه كثيرا من أمثاله وإن تفاوت أمرها في الوضوح
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 214
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص٢١٤