من أعمال بلنسية شرقي الأندلس ، وشهد الخطوب المتعاقبة على بلده طفلا ويافعا وشابا ، فتركت الأثر البليغ في نفسه وأولت شعره تلك الرنة من الحنان والكآبة في أكثر أوصافه . . . ترك ابن خفاجة شعرا كثيرا ونثرا قليلا اتصفا جميعا بالتأنّق والتصنع حتى التكلف ، وبترسم النماذج الشرقية حتى التقليد الظاهر . وهو أسلوب مرغوب فيه في الأندلس سار عليه أكثر الشعراء والناثرين قبله وبعده ، حتى ماز ذلك الفرع من الأدب العربي المعروف بالأدب الأندلسي . وسنّ فيه ابن خفاجة طريقة مأثورة عرفت بالطريقة « الخفاجية » بعد أن انتشر شعره ، فغرّب وشرّق وكثر رواته ومدوّنو مقطعاته وأبياته . فرغب إليه بعض مريديه وقد طعن في الكهولة أن يجمع هذه الآثار . ( فؤاد أفرام البستاني 57 / 261 - 265 )
النص : مقدمة الديوان :
الحمد لله الذي عم بفضله ومنّ بعدله وفتق اللسان برحمته وأنطق الإنسان بحكمته وسدّد فأرشد إلى الإسلام وعرّف بنفسه بين الوحي والإلهام ووعد وأوعد بتوسط العقول والأفهام وأطلق بتوحيده وتمجيده ألسنة الأنام وأسنّة الأقلام ، حمد معترف بما أولاه وآتاه مغترف من فيض نعماه ورحماه ، معتصم بكفايته من الفتنة في القول والعمل ، مستجير بهدايته من درك الخطأ والخطل . وصلى الله على محمد مصطفاه ومجتباه وخيرته من أنبيائه وصفوته من أوليائه صلاة تترادف مع الصباح والمساء وتستدرّ أخلاف النعم والآلاء وتسط كرامةً بين النفس والرجاء . وتصل كثرة ما بين الأرض والسماء . وتلحقني بالملأ الأعلى طاعة وتحسبني وسيلة وتسعني شفاعة . أما بعد ، فإني كنت والشباب يرفّ غضارة ويخفّ في غرارة ، فأقوم طورا وأقعد تارة قد جنحت إلى الأدب أرتاده مرتعا وأرده مشرعا . فما تصفحت مثل شعر الرضي ومهيار الديلمي وعبد المحسن الصوري وما حذا حذوه وأخذ مأخذه حتى تملكني من تلك المحاسن الرائعة الرائقة والألفاظ الشفافة الشائقة ما يناسب برد الشباب رقةً وبرد الشراب ريقةً . فما كان إلا أن ملت إليه وأقبلت عليه أروقه وأروّيه وأحاول التشبه بواحد واحد فيه . أعتقد أن الشعر من خلال الجلة وحلية النبلاء العلية . واتفق أن استخدمته شؤوني وجشّمته في بعض الأمكنة شجوني فألفيته خفيفا على الفضلاء لطيفا وشفيعا عند النبلاء رفيعا . فترقيت في