مرتبة خدمته خلاعة وترقّلت في العناية به أكلف بها صناعة . ولما انصدع ليل الشباب عن فجره ورغب المشيب بنا عن هجره نزلت عنه مركبا وتبدّلت به مذهبا ، فأضربت عنه برهة من الزمان طويلة إضراب راغب عنه زاهد فيه حتى كأني ما سامرته جليسا يشافهني أنيسا ولا سايرته أليفا يفاوهني لطيفا . وربما نشأ من خطرة ببال أو زورة لمام أو كره حال أو بعثة سلام . ولما دخل جزيرة أندلس وصل الله حمايتها وكفايتها ، الأمير الأجلّ أبو إسحاق إبراهيم بن أمير المسلمين وناصر الدين أنهضه الله بما قلده ومكّن أمره وخلّده وأعزّ نصره وأيّده وبسط بطاعته خطوته ويده ! تعيّن أن أفد عليه مهنئا بالولاية مسلّما وأغشى بساطه الرفيع موفّيا حق الطاعة معظما . فما لبث أن رفع وأسنى واصطنع فأدنى وشفّع المبرّة فأثنى . وأقبل إقبال رعاية وتكرمة فشرّف واشتمل بوارف ظله وعواطف طلّه فاكتنف فارتهنني برّه وإجماله وارتبطني بشره وإقباله ، ومن اغتبط ارتبط . فعطفت هنالك على نظم القوافي عناني وسننتها عند ذلك حللا على معاطف سلطاني ، مصطنعا لا منتجعا ومستميلا لا مستنيلا ، اكتفاءً بما في يدي من عطايا منّان وعوارف جواد وهّاب ، خلق فأبدع ورزق فتبرّع ، ثم أتبع الطول طولا فوهب سائله وتقبّل وسائله . أحمده بما أسدى وأرشد وهدى وحسّن من طوية وسريرة ونوّر من بصر وبصيرة ، أشاهد بذلك ظاهر قدرته وأدرك بهذه باطن حكمته ، حداً يقتضي الاستزادة من نعمته والاستدامة لرحمته . ولمّا ارتقت في السنّ مرتقاها وشارفت الحياة منتهاها وتوالت رغبة الإخوان فيه تتجدد وحرص الأعيان عليه يتأكد ، توخيت أن أقصره في مجلد وأحصره وأحشره جملة وأنشره . وكان قد باد أو كاد لدثور رقاع مسودّاته وإخلاق حواشي تعليقاته . واقتضى النظر فيما حاولته أن أتعهده ثانيا تعهد مؤلف وأتفقده عائدا تفقد متأمل مثقف . فمنه ما تعهدته فقيدته ومنه ما لحظته فلفظته . ومنه ما تصفحته فأصلحته إما لاستفادة معنى وإما لاستجادة مبنى . وكان قد شاع كثير منه وذاع ، فمن متعلق بنفس ومن معلّق في طرس . وسيختلف وجوده بما عاودناه من مفتقده ومنتقده ، فلا يوجد واحدا لا من طريق صيغته ولا من جهة عدده . والشعر وإن اهتبل به واعتمل فيه ليس يخلو جيده من سقط وانقسام إلى طرفين ووسط . فإن الأذهان بأخرة تكلّ والموادّ من ألفاظ وقواف تقلّ . وأيضاً فكلّ ما ينشأ من أجزاء مؤتلفة فإنما يتركب من أشياء
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 135
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص١٣٥