تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
هذه القصّة الطّويلة تؤكّد أنّ الانشغال بالأخبار السياسية لم يكن مقصوراً على فئة دون أخرى ، وهو ما يجعل الحياة السياسية بالبلاد متوتّرة أشدّ التوتّر . على أنّ التوتّر السياسي في ذاته قد لا يكون عنصراً سلبيّاً ، فقد تتوتّر الحياة السياسية في فترات التحوّل داخل البلاد كالثّورات التي تسعى إلى إصلاح ما فسد من شوؤن السياسة أو في حالات تجنّد الناس وتعبئتهم لمواجهة عدو وغيره يهدّد أمن الناس وأمن الدولة . وأمّا التوتّر السياسي من خلال كتاب « الإمتاع والمؤانسة » فلم يكن كذلك إذ إنّ من أهمّ أسبابه ومظاهره الفساد السياسي الذي عمّ البلاد . فما هي مظاهر ذلك الفساد التي يصّورها الكتاب ؟

2 - 2 - 3 - الفساد السياسي :

2 - 2 - 3 - 1 - الفراغ السياسي :

تبدو مظاهر الفساد السياسي متعدّدة ومتنّوعة من خلال الكتاب وأوّل ما يبادرنا منها ، الفراغ السياسي الناتج عن تخلّي الحكّام عن واجباتهم وتكاليفهم التي كلّفوا بها ؛ فالخليفة في النّظام الاسلامي هو المباشر الرئيسي لحياة المسلمين الدينية والمدنية إلّا أن الخلفاء قد تخلّوا عن تصّدي هذه المسوؤلية وفوّضوها إلى الوزراء الّذين كثيراً ما استبدّوا بالسلطة وأطلقوا العنان لشهواتهم ولسلطانهم بالمتعة والجور . ويبدو هذا الفراغ شاملًا في قول العامّة تشكوه وتبيّن نتائجه خلال هجوم الرّوم على المسلمين سنة 362 : ه : « لو كان لنا خليفةٌ أو أميرٌ أو ناظرٌ سائسٌ لم يُفْضِ الأمر إلى هذ الشّناعة » . ( المصدر نفسه 3 : 153 ) . فهذه الجملة تبيّن صراحةً أنّ المسؤولين عن شوؤن البلاد سياسياً لم يكونوا لمهامّهم والكلام الذي يتلوها يدعم هذا الرأي ، فالعامّة تتحدّث عن عزّالدولة وعن تفريطه في واجباته السياسية التي فوّضها إليه الخليفة المطيع للّه : « وأنّ أمير المؤمنين المطيع للّه إنّما ولّاه ما وراء بابه ليتيقّظ في