إنّ هذا التّنافر في العلاقة بين الحكّام والرعيّة قد استغلّته العناصر المناهضة للحكم للإرجاف وبثّ الدّعايات وإفساد الألفة وهذا ما يزيد الحياة السياسية توتّراً . فقد كثرت الأراجيف المشوّهة لسياسة ابن سعدان ممّن ناهضه نخصّ بالذكر منهم عبد العزيز بن يوسف الذي روّج بين الناس « أنّ للوزير علاقاتٍ سرّيةً مع أعداء الدّولة من القَرامطة « 1 » سيفرّ إليهم إن دهَمَهُ أمرٌ . » ( المصدر نفسه 1 : 48 ) وهو الذي بثّ في الناس كذلك أنّ ابن سعدان قد أساء مواجهة احتجاج العامّة ( بباب الطّاق ) لمّا اشتكوا له فاقتهم وعسر معيشتهم وأكّد أبو سليمان السّجستاني وجود الدسائس ضدّ الوزير حتى من أقرب النّاس إليه وذلك بقوله :
« الأولياءُ أعداء والأعداء جُهّال ونصيحُه غاشٍ وثقتة مُريب » ( المصدر نفسه 2 : 115 ) .
وليس هناك شكّ في أنّ هذه الشّائعات ما كان ليكتب لها النّجاح والرّواج ولهج الناس بها لولا فساد العلاقة بين الرّاعي والرعيّة . والوزير ابن سعدان كان يشعر بتلك الدّسائس ويحسّها فأصابه القلق وأفسد عليه نعمة الحياة والقلق ، توتّر نفسي يجعل ممارسة الحكم أمراً صعباً مستصعباً .
يقول ابن سعدان موضّحاً الدّسائس التي تحاك حوله وتحيط به :
« أرى واحداً في فتل حبلٍ وآخرَ في حَفرِ بئر وآخرَ في نصب فخٍّ وآخرَ في دسّ حيلة . . . وآخر في تقبيح حسَنٍ وآخرَ في شَحذِ حديد وآخر في تمزيق عِرضٍ . . . وناري مع صاحبي رَماد وريحُه علىّ عاصفة . » ( المصدر نفسه 3 : 64 ) .
هامش
( 1 ) - القرامطة : فرقة من الكيار إحدي عشائر الباب ومنبج من أقضية محافظة حلب وسمّوا بالقرامطة لأنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رأى عامراً جدّهم يمشي فقال : « إنه ليقرمط في مشيته » . ( ابن الخطيب 54 : 3 ) . هم أتباع حمدان قرمط ، وحركتهم دينية سياسية اجتماعية ، استولوا على كثير من البلاد ، واستولوا على مكة المكرمة ، وأخذوا الحجر الأسود ، وقتلوا كثيرا من المسلمين في المسجد الحرام ، وكانوا بقيادة أبى طاهر سليمان بن أبي ربيعة الحسن القرمطي وكان ذلك في سنة 317 : ه وأعيد الحجر الأسود إلى مكانه من الكعبة في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة 339 : ه . بتوجيه من الخليفة الفاطمي المنصور إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبى القاسم محمد بن عبد الله المهدى . ( ابن الأثير ، حوادث 317 وما بعدها ، ابن خلدون 91 : 4 ) .