تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
من الطبيعيّ إذن أن يكون هذا الجوّ المتوتّر باعثاً على الانشغال بإخماد ما يحاك من دسائس وإبطال ما ينصب من فِخاخ عن الاهتمام بشؤون البلاد وأمور الرعيّة من الخاصّة والعامّة وهذا أبوحيّان يؤكّد بصورة جليّة هذا الوضع في عديد من المواضع . فهؤلاء رسلُ سجستان وهم من الأدباء والعلماء يعقدون مجلس غناء ورقص يلهجون فيه بنقد الوزير ابن سعدان وحاشيته واعتبارهم أصل الفساد في الدولة . وقال ابن جبلّة في وصف هذه الحاشية : « ما عندي إلّا أن الوزير عارفٌ بهم ومستبطنٌ لأمرهم مع العَشرة القديمة والملابسة المتّصلة والخبرة الواقعة ولكن لابدّ لمن كان في محلّه ورفعته من جماعة يقرّبهم ويَرجع إليهم ويَسْمَع منهم وينظُرُ بأعينِهم ويُصغي بآذانهم ويَتناول بأيديهم . » ( المصدر نفسه 1 : 47 ) . فقال له ابن برمويه « 1 » مؤيّداً له : « إن كان عارفاً بهم ومستبطناً لأمرهم وخبيراً بشأنهم ، فلمَ سلّطهم وبَسطهم وحدّد أنيابَهم وقوّى أسنانَهم وفتح أشداقَهم وطوّل أعناقَهم . . . ولمَ يضحك في وجوههم ويَغضَى على جنايتهم ؟ » ( المصدر نفسه 1 : 47 - 48 ) . ومن طريف الأمر أنّ المتصوّفين على فقرهم واعوازهم الشديد وضنك أحوالهم ورغم إعراضهم عن مشاغل الدنيا وتفرّغهم للعبادة لم‌يسلموا من آفة الاهتمام بالأخبار السياسية والحرص على تتبّعها وكان ذلك خلال الثورة التي اندلعت بخراسان سنة 370 داخل الدّولة السامانية . فقد كانت جماعة من المتصوّفين تخوض في حديث آل سامان الوارد من جهتهم . ويروى التوحيدي عنهم قولهم : « . . . ولا قدرةَ لنا على السّياحة لإنسداد الطُّرق وتخطُّف النّاس للنّاس وشمول الخوف وغلبة الرُّعب وكان البلد يتّقد ناراً بالسؤال والتعرُّف والإرجاف
هامش
( 1 ) - هو الحسن بن برمويه ، كان كاتباً لوالدة صمصام الدولة وكان ممن تآمروا على الإيقاع بابن سعدان وقتله ، ثمّ استوزر ابن برمويه لصمصام الدولة مشتركاً في الوزارة مع أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف .