بالصّدق والكذب وما يُقال بالهوى والعصبيّة ، فضاقت صدورُنا وخبُثَتْ سرائرُنا واستولى علينا الوسواسُ . . . » ( نفس المصدر 3 : 92 )
وفي خوضهم في هذه الأحاديث الطائلة ، شَعَر بعضهم أنّهم يخوضون في الأحاديث التي « ليس لهم فيها ناقةٌ ولاجملٌ ولاحظّ ولا أمل » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
فطلبوا فرجةً عند متصوّف آخر هو أبو زكريا الزّاهد ليتلهّوا عنده عن السّياسة وليقتدوا بسيرته وتعبّده فما أن دخلوا عليه حتى بادرهم بالسؤال عن أخبار الفتنة قائلًا :
« حدّثوني ما الّذي سمعتُم وماذا بلغكم من حديثٍ النّاس وأمرِ هؤلاء السّلاطين ، فرّجوا عنّي وقولوا لي ما عندكم ، فلا تكتُموني شيئاً فمالي واللّه مَرعَى في هذه الايّام إلّا ما اتّصل بحديثِهم واقتَرَنَ بخبرهم . » ( المصدر نفسه 3 : 93 ) .
فتركوه مستوحشين وقالوا : « أنظروا من أيّ شيء عُلقنا وبأيّ داهية دُهينا . » ( المصدر نفسه )
وقصدوا شيخاً آخر هو أبوعمرالزّاهد ، فطلب منهم مطلب الشيخ الأوّل قائلًا : « يا أصحابَنا ما عندكم من حديثِ الناس ؟ فقد واللّهِ طالَ عَطَشي إلى شيء أسمعُهُ ولم يَدخُلْ علىَّ اليومَ أحدٌ فأستخبرَهُ وإنّ أذني لدى البابِ لأسمع قَرعَة أو أعرفَ حادثة . . . » . ( المصدر نفسه )
فغادروه وانطلقوا إلى زاهد ثالث يسمّى ابالحسن الضّرير عرف بزهده وعبادته وتوحّده ( توحيده ) وشغله بنفسه ، فلمّا جلسوا اليه قال لهم : « أمِن السّماء نزلتُم علىَّ ؟ واللّه لكأنّي قد وجدتُ بكم مأمولي وأحرزتُ غايةَ سؤالي ، قولُوا لي غيرَ مُحتشِمينَ : ما عندكم من أحاديثِ النّاس ؟ وما عَزَم عليه هذا الوارد ؟ وما يُقال في أمر ذلك الهارب إلى قايين وما الشّائع من الأخبار وما يَتَهامس به ناسٌ دونَ ناسٍ . . . » ( المصدر نفسه 3 : 94 )
ثمّ بعد سرد هذه القصة يذكر أبوحيّان : « وكنت أرى أنّ الصّوفية لايَرجعون إلى رُكنٍ من العلم ونصيبٍ من الحكمة وإنّهم إنما يَهذون بما لا يعلمون وأنّ بناءَ أمرهم على اللّعب واللّهو والمجون . » ( المصدر نفسه 3 : 97 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 98
مساهمون: مهدي عابدي
ص٩٨