تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
« كنتُ عرضتُ على صاحبي تذكرةً مشتملةً على أشياء مختلفة ، فأمضاها كلَّها ولم يناظرني في شيءٍ منها ولا زادني شيئاً فيها ولا ناظَرَني عليها ولعلّي قد بلوْتُهُ بها ، وأخفيتُ مغزاىَ في ضمنها . . . ولقد صَدق الأوّل حيث قال :
وإنّ امرأً دنياهُ أكبرُ هَمِّه * لمُسْتَمسكٌ منها بحَبلِ غرورِ »
( المصدر نفسه 3 : 65 ) . هذه أمثلة دالّة علي عمق الفراغ السياسي في الدّولة . فكيف نعتبر ذلك فساداً ؟ إنّ الفساد يُحدّد بالنظر في نتائج ذلك الفراغ وهي بيّنة في الكتاب ، فمن أهمّها : 1 ) الاضطراب والخوف والهلع الذي سيطر على الناس خلال اقتحام الرّوم بلاد المسلمين سنة 362 : ه وانقسام الخاصّة إلى فرقتين وكذلك العامّة كما سبق ( أنظر : 63 من هذه الرسالة ) . ولاشكّ أنّ سائساً يفرّط في مصالح الرّعايا ويتفرّغ لشهواته ولذّاته ولهوه ولعبه لا يمكن أن يكون مجتمعه وشعبه آمناً مطمئناً متحداً متضامناً وهذا التّفريط من الحاكم السائس يعتبر أفسد الفساد وأشدّ ضربة في انقسام العباد وانفصام قوى الاتحاد ، إذ السائس الصالح هو الذي يخلص في إمضاء مهامّه . 2 ) الاستبداد بالرأي : الذي برز في سلوك الصاحب ابن عبّاد لأنّ المَلِك الذي استوزره عوّل عليه . ( المصدر نفسه 1 : 60 ) والاستبداد بالرأي نقيصة آفاتها عديدة ، أبرزها الجور والحيف . يقول أبو حيّان مشيراً إلى تعصّب الصّاحب ونتائج ذلك : « مغلوبٌ بحرارة الرّأس ، سريعُ الغضب ، بعيدُ الفَيئة ، قريبُ الطَّيرة ، حسودٌ حقودٌ . . . وقد قتل خلقاً وأهلك ناساً ونفى أمّة تعنّتاً وتجبّراً وزهواً . » ( المصدر نفسه 1 : 55 ) . 3 ) فتح الباب أمام المطامع السياسية ، إذ إنّ الفراغ السياسي جعل الحاكم ضعيف الأثر في البلاد فتسعى النفوس إلى الإطاحة به ، يشهد علي ذلك ما حصل لابن سعدان من معارضة شديدة ومن تآمر عليه عند الملك - صمصام الدولة - الذي استوزره حتى سجنه وقتله ( المصدر نفسه 1 : 26 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 101 | مهدي عابدي