تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
توجيه الاعتراض . فهل من توتّر أشدّ من هذا الذي ينشأ عن انعدام التعاون والتّضامن بين الحاكم والمحكومين في أحرج المواقف التي تعيشها البلاد ؟ من الدلائل الأخرى على صورة هذا التّوتر ما رواه التّوحيدي في اللّيلة السّابعة عشرة من قيام العامّة ضدّ سياسة الوزير ابن سعدان واحتجاجهم على سوء أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية ، فقد « صاحوا وضجّوا وذكروا غِلاء القُوت وعَوزَ الطَّعام وتعذّرَ الكسب وغلبَةَ الفقر وتهتُّك صاحب العِيال . » ( المصدر نفسه 2 : 26 ) ، الّا أنّ الوزير لم يسمع منهم شكواهم و « أجابهم بجواب مُرّ مع قُطُوب الوجْه وإظهار التبرّم بالاستغاثة : بعدُ لم تأكلوا النُّخَالةَ » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . وقد كذّب الوزير أن يكون قد اتّخذ ذلك الموقف من الرّعية وأرجعه إلى كيد من أعدائه لإفساد سُمعته عند العامّة ، لكنّه لم يكذب أن تكون العامّة قد ثارت في وجهه وهذا ما لا ينفي التوتّر بين الحاكم والرعية ، بل يثبته ويؤكّده . ثمّ إن التّوحيدي يبيّن لنا ضجر الحكّام من لهج العامّة بأخبارهم وتتبّعها لسيرتهم فابن سعدان ضاق صدره بالعامّة واغتاظ فيها لتتبّعها أسرار السياسة حتى قال : « إني لأهمّ في الوقت بعد الوقت بقطع ألسنةٍ وأيدٍ وأرجلٍ وتنكيلٍ شديد ، لعلّ ذلك يطرح الهيبةَ ويحسم المادَّةَ ويَقطعُ هذه العَادةَ . » ( المصدر نفسه 3 : 185 - 186 ) . إنّنا نرى في هذا الغيظ والغضب الذي ملأ الصّدور والقلوب وهذا الضّجر والإستياء من العامّة وهذه الإحن التي جرت وهذه المحن التي أحاطت بالرعيّة والنّاس خير دليل على انتفاء التّفاهُم والتّعاون والتّضامن والاتّفاق واللّين والرقّة بين الحاكم والرّعايا . وقد صدر هذا الأمر عن ابن سعدان الذي قال التوحيدي فيه : « قد شاهدتُ ناساً في السّفر والحضَر ، صِغاراً وكباراً وأوساطاً ، فما شاهدتُ مَن يَدينُ بالمجد ويَتحلّى بالجُود ويَرتدي بالعَفو ويَتأزَّرُ بالحلم . . . غيرَك » ( المصدر نفسه 3 : 223 ) . فكيف يكون الأمر إذن مع ساسة عرفوا بالشدّة والغلظة وكثرة الجور ؟
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 95 | مهدي عابدي