وتؤكّد الجملة الأخيرة في هذا الشّاهد فساد أخلاق عزّالدولة « 1 » وسوء استقباله لرسل الرعيّة وفي ذلك دليلٌ كافٍ على توتّر العلاقة بينه وبين النّاس . إلّا أنّ الأمر لم يقف عند هذا الحدّ ، فقد استمع إلى آراء أهل الفضل والحكمة وإلى تحريضهم إيّاه على تدارك الأوضاع واستمع أيضاً إلى استعدادهم لبذل الأموال لتدارك الأمر « فإن كان في المال قِلّةٌ ، فخُذ من مُوسِرنا وممّن له فضلٌ في ماله ، فانّه يُفْرجُ عنه ( أي عن ماله ) طاعةً لك وطمعاً في ما عنداللّه من الثَّواب » ( المصدر نفسه 3 : 156 ) .
وبعدما تكلّم أهل الفضل والحكمة مع عزّالدولة وبيّنوا له ما عليه الأوضاع السياسية الداخلية والخارجية ، كنّا نتوقّع أذناً صاغيةً في تلقّي نصائحهم ومرونةً في استماع أقوالهم واستعداداً لتدارك الأمر ، فإذا به يندفع غضباً مُرعداً مزبداً مهدّداً متوعداً منكراً عليهم كلامهم راداً عليهم ببذئ الكلام شاتماً أبا بكر الرّازي ( ت عام 370 ) معرضاً عن نصائحه بقوله : « يلقاني بوجهٍ صُلبٍ ولِسان هدّارٍ يُرَى من نفسه أنّه الحسنُ البصريّ يعظ الحجّاج ابن يوسُف ، أو واصل بنُ عطاء يأمُرُ بالمعروف أو ابن السّماك يُرهبُ الفُجّار ، هذا قبيحٌ ، ولو سَكَتُّ عن هذا لكان عِيّاً وعَجْزاً » ( المصدر نفسه 3 : 158 ) .
رفض عزّالدولة إذن أن يكون المسؤول عن فساد الأحوال معلّلًا موقفه بالقول :
« كما تكونون يولَّى عليكم . . . واللّه لو لم تكونوا أشباهي لما وُلّيتُكم ولولا أنّي كواحد منكم ، لما جُعلتُ قيِّماً عليكم ولو خلا كلُّ واحدٍ منّا بعيب نفسه ، لعَلمَ أنّه لا يسعه وعظ غيره وتهجينُ سُلطانه . . . » ( المصدر نفسه ) .
إذن أين التوتّر السياسي في موقف عزّالدّولة والدين ؟ !
إنّ الأمير قد رفض رفضاً تامّاً جميع ما دعاه إليه الحكماء والعلماء كأنّ به حساسية خاصّة للنقد الصادر عن الرعيّة وهو يرى في السّكوت عن هذا النقد عيّاً وعجزاً وهيبة الحكم تمنعهم من
هامش
( 1 ) - كان عزّ الدولة ضعيف العقل ، قليل الدين ( ابن كثير 229 : 3 ) وأقبل على اللعب واللهو واشتغل بأمر النساء ، فتفرّق شمله واختلفت الكلمة عليه . ( المصدر نفسه 363 : 11 ) .