قد باع دابّة بخمسة وعشرين ديناراً ، فضربوه بالسّيف وأخذوها ، فذعر النّاس وغلّقوا دكاكينَهم وغلّقوا بابَ الجامع . . . » ( ابن الجوزي 18 : 30 ، ابن خلدون 3 : 634 ) وسبب هذه الفتنة كثرة الجور الذي بلبل الدولة .
إنّ مثل هذه الفتن وعدم الأمن والإستتباب السياسي لأبرز صورة وشاهد على مدى التفكّك السّياسي بالبلاد حتى في أحرج الأوقات وفي أشدّها حاجة إلى التألّف والتضامن ونتيجة لهذه الفتنة انقلبت القيم السياسية وظهر من العيّارين قوّاد كثيرون والتّوحيدي يحدّثنا عن واحد منهم وهو « أسود الزّبد » ، فقد كان هذا الرّجل قبل الفتنة : « عبداً يأوي إلى قَنطَرَةِ الزّبدِ ويَلتقطُ النَّوى ويَستطعِمُ من حُفر ذلك المكان بلَهوٍ ولَعِبٍ وهو عُريانٌ لايتوارى إلّا بخِرقة ولا يُؤبَهُ له وَلايُبالي لَه » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 160 ) .
إلّا أنّ منزلته انقلبت من حالٍ إلى حالٍ بعد الفتنة فبعدما نهب وأغار « ظهر منه شيطانٌ في مَسْك [ جِلد ] إنسان وصَبُحَ وجهُهُ وعذُبَ لفظُهُ وحَسُنَ جسمُهُ وعُشِق وعَشَق . . . وأطاعه رجالٌ وأعطاهم وفرّق « 1 » فيهم وطلب الرئاسةَ عليهم ، صار جانبه لايُرام وحماه لايُضام . » ( المصدر نفسه 3 : 160 - 161 )
حكى لنا التاريخ أنّ أسود الزّبد هذا « اشترى جارية بألف دينار ، ثمّ راودها فتمنّعت فقال : ما تكرهين منّي قالت : أكرهك كلكّ . قال : ماتحبّين ؟ قال : أو خيراً من ذلك . فحملها إلى القاضي وأعتقها ووهبها ألف دينار فتعجّب الناس من سماحته ، ثمّ خرج إلى الشام فهلك هناك . » ( الطبري 1 : 271 ، ابن الجوزي 7 : 57 « أسود الزبد » ) .
وهذا الانقلاب في القيم السياسية يدعم معنى التوتّر السياسي .
فهل من وضع أشدّ من وضع تفقّد فيه البلاد أمنها السياسي الداخلي وتتحوّل فيه الأوضاع تحولًا سريعاً بواسطة شحذ السيوف والنّهب والغارة والسّلب ؟
هامش
( 1 ) - فرّق فيهم ، أي فرّق الأعطية فيهم .