تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
هاجم خلالها الرّوم الثغورَ الإسلامية وأدخلوا الرّعب والهلع على النّاس بمدينتي الموصل وبغداد . فتوتّرت لذلك أسسُ العلاقة بين الرعيّة والملك عزّ الدولة « 1 » وتصدّع النظام الاجتماعي بانقسام الخاصّة والعامّة واستغلال العيّارين لذلك التصدّع لشنّ الغارات والنّهب وسفك الدّماء ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 3 : 150 - 162 ) . وقد أبرزت هذه الهجمة ضعف تنظيم المسلمين داخلياً وانعدام الأمن الخارجي وهو ما يبيّن تراجع القوّة الإسلامية التي كانت هي الفاتحة والمبادرة بالهجوم أمام الرّوم ، فأصبحت قوّة غير قادرة حتى على حماية الثّغور والحدود . « 2 » جاء في التاريخ في هذا الصدد : « في هذا الاقتحام ، إنّ الروم دخلوا النصيبين واستباحوا وقتلوا كثيراً من رجالها وسبوا من نساءها وصبيانها . . . وورد إلى بغداد خلقٌ كثير من أهل تلك البلاد فاستقروا في الجوامع وكسروا المنابر ومنعوا الخطبة وحاولوا الهجوم على دار المطيع لله واقتلعوا بعش شبابيكها . » ( ابن الجوزي 14 : 214 ) وخاطب النّاس الخليفة بالتعنيف وبأنّه عاجز عما أوجبه الله عليه من حماية حوزة الإسلام وأفحشوا القول . ( الذهبي 26 : 247 ، الطبري 11 : 428 ، ابن خلدون 2 : 331 ) . فسار العسكر من جهة الملك عزّ الدولة بختيار فالتقوا الرّوم فنصروا عليهم وأسروا جماعة من البطارقة ( الرّوميين ) ففرح المسلمون . ( ابن عماد 4 : 326 ) .
هامش
( 1 ) - هو الأمير بختيار الذي تلقّب بعزّ الدولة . خلف والده معزّ الدولة في الامارة على بغداد سنة 356 في عهد الخليفة الطائع وأوكل الحكم للوزراء وقد عرفت البلاد في عهده فتنناً عديدة بين أهل السنة وأهل الشيعة ، قتله عضدالدولة سنة 366 ونكّل به ( الطبري 11 : 411 ) . ( 2 ) - شرح أبوحيّان في هذا الصدد : « بأنّ الروم تهايجت على المسلمين ، فخاف الناس بالموصل وما حولها وأخذوا في الانحدار على رعبٍ قذف في قلوبهم . . وصارت العامة طائفتين ، طائفة ترقّ للدين ولما دهم المسلمين وتستعظم ذلك فرقاً مما ينتبه إليه ، بعد ما يؤتى عليه ، وطائفة وجدت فرصتها في العيث والفساد ، والنّهب والغارة بوساطة التعصّب للمذهب . وافترقت الخاصة أيضا فرقتين : فرقة أحبّت أن تكون للنّاس حميّة للإسلام ، ونهوض إلى الغزو . . . وطائفة اختارت السكون والإقبال على ما هو أحسم لمادّة الوثوب والهيج ، وأقطع لشغب الشاغب ، وأقمع لخلاف المتّهم . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 3 : 152 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 89 | مهدي عابدي