تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
« هو كتاب ممتعٌ على الحقيقة لمن له مشاركة في فنون العلم ، فإنّه خاضَ كلَّ بحر وغاضَ كلَّ لُجّة . . . » ( القفطي 383 ) . وكتاب الإمتاع والمؤانسة - كما هو معلوم - انقسم إلى أربعين ليلة ، فهو أشبه ما يكون بكتاب « ألف ليلة وليلة » وإن كنّا هنا بإزاء ليالي فلسفة وفكر وفنّ وأدب ، لا ليالي غرام وحبّ ولهو وطرب ! إنّ الليلة الأخيرة من الإمتاع والمؤانسة تحمل رقم أربعين ، فجرى الإعتقاد أنّ عدد اللّيالي بالكتاب أربعون ليلة ، لكن الدقّة في تتبّع ليالي الكتاب ليلة ليلةً ، تجعلنا نقف على تسع وثلاثين ليلةً فقط . وبالتحرّي وجدنا أنّ سهواً من المحقّقيْن ( أحمد أمين وأحمد الزّين ) جعلهما يزيدان ليلةً غير موجودة بالكتاب وهى اللّيلة الثانية عشرة ، فنحن نقرأ في آخر الليلة العاشرة قول أبي حيّان : « إنّي قرأتُ هذا الفصلِ على الوزيركبَتَ الله كلَّ شانئٍ له - في ليلتين . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 195 ) فاللّيلة العاشرة الواردة بالكتاب يجب أن يكون عنوانها الليلة العاشرة والليلة الحادية عشرة والليلة التي تليها تكون « الليلة الثانية عشر » لكن المحققيْن يرقّمانها هكذا « الليلة الثالثة عشرة » ويقولان في الحاشية ما يلي : « يلاحظ أنّنا ذكرنا في الليلة السابقة أنها الليلة الحادية عشرة . ( بينما ذكرا الليلة العاشرة ) والصّواب أنهما ليلتان ، الحادية عشرة والثالثة عشرة . ( بينما الصّواب هو الليلة الثانية عشرة . . . ) ولهذا جعلنا هذه الليلة الثالثة عشرة . بينما الصّواب هو الليلة الثانية عشرة . » ( المصدر نفسه 1 : 198 ، الهامش رقم 1 ) . فالمؤكّد إذن أنّ عدد اللّيالي الذي ورد في الكتاب لا يتجاوز تسعاً وثلاثين ليلة وهى المادة التي سنعتمدها في إبراز خصائص المجتمع في القرن الرابع للهجرة وتحديد مواقف التّوحيدي منها . وأيّا ما كان ، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه ، يلقي أضواء ساطعة على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع - أعني في العصر البويهي - وهو عصر موصوفٌ بالظلام فإنه يستعرض لكثير من الشوؤن الاجتماعية في ثنايا حديثه ، فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عبّاد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساويهم ، ويصف العلماء ويحلّل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من