إنّه يعترف في مقدمة كتابه « بأنّ الناس بين راضٍ عنك ، فهو يمنحك أكثر ممّا لك ، وساخطٌ عليك فهو يَنقُصُك من حقّك ومعنى هذا أنّ المادحَ لا يخلو في مدحه من بعض الإفراط تقرّباً إلى مأمُوله ، واستدراراً لكرمه . » ( المصدر نفسه 54 - 55 ) .
ولسنا ندري إلى أىّ حدٍّ التزم التّوحيدي النّزاهة في حكمه وإنما الذي نعلمه أنّه قد فرّط في ثلب الوزيرين : ابن العميد والصاحب ابن عبّاد ولو أنّ حنقه على الصّاحب قد جاء أشدّ وأقذع من سخطه علي ابن العميد والكتاب حافلٌ بالأقاصيص والرّوايات التي يسردها التوحيدي علينا لإقناعنا ببخل الوزيرين وسخفهما وقلّة دينهما ، ولا يخلو الكتاب - بين الحين والآخر - من ملاحظات سيكولوجية طريفة وتصوير هزليّ ساخر وأحاديث فلسفية شيّقة وتعليقات لغوية دقيقة وأبيات شعرية رقيقة . . .
عرفنا من أبي حيّان أنّه قضى زمناً طويلًا عند ابن عبّاد وأنه خدمه وأمّل فيه أملًا عظيماً ، على هذا الأساس إنّ القسم الخاصّ بالصّاحب أكثر من القسم الخاصّ بابن العميد وأن الحنق على الصاحب أشدّ من السّخط على أبي الفتح بن العميد .
وهو في تناوله للصّاحب يعتدل حيناً ويتوسّط حيناً ويسفّ حيناً ، فمن إعتداله في قوله فيه :
« كان ابنُ عبّاد شديدَ الحسد لمن أحْسَنَ القولَ وأجادَ اللفظَ وكان الصّواب غالباً عليه وله رفقٌ في سَرد حديث ونيّقة في روايةٍ وله شمائلُ مخلوطةٌ بالدِّماثةِ بين اليسارة والعِبارة . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 25 والحموي 15 : 44 ) .
ومن توسّطه في قوله فيه :
« كان الصّاحبُ كثيرَ المحفوظ ، حاضرَ الجواب ، فصيحَ اللّسان وقد نَتَفَ من كلّ أدب شيئاً وأخذ من كلّ فنّ طرْفاً والغالبُ عليه كلامُ المتكلّمين والمعتزلة . . . وهو حَسَنُ القيام بالعَروض والقوافي ويقول الشعر وليس بزالّ « 1 » وبديهته غَزارة . . . » ( المصدر نفسه 6 : 144 ) .
ومن اسفافه في القول فيه :
هامش
( 1 ) - ليس بزالّ : ليس منحرفاً عن الصواب .