الكتاب من حيث الأسئلة والإجابات - بستان حافلٌ بصنوف المعرفة المتنوعة لاجامع لها ولاضابط . ففيه مسائل إرادية كقوله : « لمَ سَمُجَ مدحُ الإنسان لنفسه وحَسُنَ مدحُه لغيره » ( التوحيدي ، الهوامل والشوامل 117 ) وفيه مسائل اختيارية « 1 » كان في طاقة الشخص أن يفعلهما أو يتركهما مثل قوله : « لمَ قبح الثناء في الوجه حتى تواطئوا على تزييفه ؟ » ( المصدر نفسه 45 ) .
وفيه مسائل نفسانية ومسائل في مبادئ العادات ( 121 ) ومسائل طبيعية مثل قوله : « ما السببُ في اشتياق الإنسان إلى ما مضى من عمره حتى انّه ليحنّ حنينَ الإبل . . . » ( 37 ) .
ومسائل خُلُقية ومسائل لغوية ومسائل طبية كقوله : « لمَ صار الصَّرعُ من بين الأمراض صَعبَ العلاج ؟ » ( المصدر نفسه 112 )
قلنا إنّ أباحيّان كان دقيقاً أميناً في روايته ، فإذا نقل النصّ بحروفه نبّه على ذلك وكذلك أبوحيّان في نقل إجابات مسكويه لم يتصّرف في شيء وإنما أثبت كلمات مسكويه على حالها .
إنّ بعض أسئلة التوحيدي قد تفوق في عمقها ودقتها بعض إجابات مسكويه والمتأمل في المسائل التي طرحها أبوحيّان يدرك بوضوح كيف كان ذا شخصية فلسفية طلقة تستخلص الأسئلة من كلّ ما يقع أمامها سواء كانت خلقية أو اجتماعية أو لغوية أو اقتصادية ؟ ( المصدر نفسه « د » ) .
هامش
( 1 ) - يقول التوحيدي في بيان الفرق بين المسائل الإرادية والاختيارية : « إنّ كلّ مراد مختار ، وليس كلّ مختار مرادا ، لأنّ الإنسان يختار شرب الدواء الكريه وضرب الولد النّجيب وهو لا يريد ، ويختار طرح متاعه في البحر إذا ألجئ وهو لا يريد ، وهما وإن كانا انفعالين فأحدهما - وهو الاختيار - لا يحدث إلّا عن جولان وتنقير وتمييز ، والآخر - وهو الإرادة - يفجأ ويبغت وربّما حمل على طلب المراد بالكره الشديد ، وفي عرض الاختيار سعة للتمكّن ، وليس ذلك في عرض الإرادة . والعرب تستعمل الإراغة في موضع الإرادة ، والأوّل من راغ يروغ ، والثاني من راد يرود ، والهمزة مجتلبة للتّعدّي . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 105 ) .