الكتاب في رسائل ، تبدأ كل رسالة بدعاء طويل ، بعدة موعظة وإرشاد وليس في الكتاب شكوي ولا حقد ولاثلب ولاحملة على أحد وأسلوبه في هذا الكتاب مسجوع في فقرات قصار تشبه الشعر المنثور ولعلّ أباحيّان بنثره الجميل المسجوع هو الذي استطاع أن يحلّ النثر محلّ الشعر في التصوّف والابتهال . إنّ النبرة الغالبة على معظم ابتهالات أبي حيّان في الإشارات هي نبرة داود النّبي في مزاميره ، خصوصاً حينما نراه يتغنّى برحمة الله ولطفه ونعمته أوحينما نراه يعمد إلى معاتبة الذّات الإلهية بخشوع ومذلّة ، كقوله : « الهنا ! إن ذكرناك أنسيتنا وإن أشرنا إليك أبعدتنا وإن اعترفنا بك حيّرتنا وإن جحدناك أحرقتنا . . . » ( المصدر نفسه 193 ) .
والمتأمّل في هذه النصوص يلاحظ أنّ في أسلوب التوحيدي دفئاً وحرارة واشراقاً ونصاعة وإيقاعاً وموسيقى وإننا نشعر بأنه قد اصطنع هذا النوع من النثر المسجوع للملائمة بين الشكل والموضوع .
1 - 5 - 5 - الهوامل والشوامل :
أمّا الكتاب الخامس من الكتب التي نشرت للتوحيدي فهو كتاب « الهوامل والشوامل » الذي نشره الأستاذان أحمد أمين والسيد أحمد الصقر في القاهرة سنة 1951 م .
وليس كتاب الهوامل والشوامل كتاباً واحداً ، بل هو في الحقيقة كتابان لمؤلفين كبيرين : أسئلة من أبي حيّان التوحيدي سمّاها « الهوامل » وأجوبة من مسكويه سمّاها « الشوامل » .
ومعني الهوامل ، الإبل السائمة يهملها صاحبها ويتركها ترعي والشوامل ، الحيوانات التي تضبط الإبل الهوامل فتجمعها وقد استعار أبوحيّان كلمة ( الهوامل ) لأسئلته المبعثرة التي تنتظر الجواب واستعمل مسكويه كلمة « الشوامل » في الإجابات التي أجاب بها فضبطت هوامل أبي حيّان . ( مقدمة أحمد أمين لكتاب الهوامل والشوامل « ج - » )
الكتاب كلّه أسئلة من أبي حيّان يسأل بها مسكويه وإجابات من مسكويه عن هذه الأسئلة .
وقد كان أبوحيّان عظيم الثقة بمسكويه وبعلمه وإن جرحّه في بعض ما كتب . ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 35 - 135 ) .