تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
يزاوج بينهما ، وربّما كان سبب ذلك أنّ الجاحظ كان شديد الميل إلى الاستطراد والتّنويع ، أمّا أبوحيّان فكان أجنح إلى العلم منه إلى الأدب . 6 - الجاحظ كلفٌ بالإستطراد يخرج من فكرة إلى أخرى ومن موضوع إلى موضوع أو موضوعات ، ثمّ يعود إلى الأول بعد قليل أو كثير من السّطور والصفحات وما ذلك إلا لوفرة علمه ورغبته أن يفيد قارئه ويجدّد نشاطه وإن كان هذا عيباً في التأليف ، لأنّه ضربٌ من الخلط وتقطيع الأفكار . أمّا أبوحيّان فلم يكن يستطرد هذا الاستطراد وإنما كان ينساق في الموضوع الواحد أو الفكرة الواحدة حتى يفرغ منها . 7 - إنتاج الجاحظ أكثر كمّاً وأضخم قدراً وأفسح دائرة من إنتاج أبي حيّان ، لأنّ للجاحظ نحو 360 كتاباً ورسالة . ( الجاحظ ، مقدمة الحيوان 5 ) وقد أثبت منها ياقوت 128 كتاباً ورسالة ( الحموي 6 : 75 - 78 ) . أمّا ابوحيّان فكان إنتاجه أقلّ وهو إذا قيس بانتاج الجاحظ لايساويه ولا يدانيه . فقد كان الجاحظ مرحاً وكان محظوظاً وكان معتمداً على علمه وحده على أنه غاية ووسيلة في الوقت نفسه وكانت كتبه رائجة أعظم رواج في عهده فشجّعه هذا كلّه على التأليف . أما أبوحيّان فكان ضائق الصدر ، منقبض النفس ، بائساً يائساً وكان في أكثر عمره يريد العلم وسيلة فحسب ، ذريعةً إلى المال والشهرة والمجد كما بينّا سالفاً ولم يقيض لكتبه أن تذاع لينكبّ على التأليف ويكثر منه كما فعل الجاحظ . 8 - كان الجاحظ في حياته وموته أعظم قدراً وأعظم شهرةً وأبعد أثراً من أبي حيّان وقد قُدّر للجاحظ من أن يتأثّر به ويحاكيه كابن قتيبة وابن العميد والتنّوخي وأبي حيّان التوحيدي نفسه . أمّا ابوحيّان فلم يقدّر له شيء من ذلك كلّه ولم يقدر له بعد موته من أن يتأثّر به ويُرسي مذهبه ، لأنّ طريقة معاصريه من أنصار الصّناعة اللّفظية شاعت واستقرّت عدّة قرون . إذن فليس من المتوقّع لكاتب كأبي حيّان - الذي حورب في حياته واتّهم بالزندقة وتشائم بعض الناس من كتبه وأسخط الخاصّة والعامّة - أن يكون إماماً يُقتدى به في فنه ، لأنّ النفوس غير مقبلة على قراءته ، لهذا لا نجد من ورائه تلاميذ يذيعون فضله ويشيدون على الأساس الذي بناه ، على أنّ التلاميذ الذين ذكرهم السبكي ليسوا ممّن ذاع أمرهم واشتهرت أسماؤهم .