تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
ومزاجه الضّاحك لم يتردّد في أن يتهكم بنفسه رغبةً في الفكاهة ، فقد وصف معركة دارت بينه وبين الذّباب ، قائلًا : « فأمّا الَّذي أصَابَني مِنَ الذُّبانِ فَإنّي خَرَجتُ أمَشِي فِي ( المبارك « 1 » ) أريدُ دَبْرَ الرَّبيعِ وَلَمْ أقدِرْ عَلَى دَابَّةٍ فَمَررتُ فِي عُشبٍ أشِبٍ - مُلتَفٍّ - وَنَباتٍ مُلتَفٍّ ، كثيرِ الذُّبّانِ ، فَسَقَطَ ذُبابٌ مِن تلك الذُّبّانِ عَلى أنْفِي فَطَردْتُهُ فَلَمْ أقدِرْ ، فَتَحَوَّلَ إلى عَينِي ، فَطَردْتُهُ ، فَسارَ إلي مُؤقِ عَينِي طَرفِها الَّذي يَلي الأنفَ - فَزِدْتُ فِي تَحْريِكِ يَدي ، فَتَنَحَّى عَنّي بِقَدرِ شِدَّةِ حَرَكَتي وَذَبِّي مِن عَيْني . . . ثُمَّ عادَ إلىَّ فَعُدتُ اليهِ ثُمَّ عادَ إلىَّ فَعُدتُ بِأشَدَّ مِن ذلِكَ » ( الجاحظ ، الحيوان 3 : 346 ) . أما أبوحيّان فلم يكن من رجال هذا المضمار ، لأنّ حياته كانت ملأي بالتزمّت والعبوس والتصوّف ولأنّه كان أقلّ من الجاحظ قدرة على التصوير السافر اللّاذع ، فنحن لا نجد في كتبه إلّا بعض ملح ومجون كان يختم بها بعض أسماره مع ابن سعدان . والمُلح التي ذكرها مطبوعة بطابع الفتور ، فلا تبعث على الضّحك . وإذا كان قد هجا الصّاحب ابن عبّاد وتهكّم به ، فإنّ تهكّمه كان ألصق بالهجاء الصريح المرّ وأقرب إليه من التعريض والمؤاربة « 2 » . قال أبوحيّان في كتاب المحاضرات : « قَصَدتُ أنَا وَالنَّصيبيُّ رَجُلًا مِن أبْناءِ النِّعَمِ وَالموصُوفينَ بِالكَرَمِ ، لَا يَرُدُّ سَائليِه وَلا يُخَيِّبُ آمِليهِ وَالألْسُنُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى جُودِهِ وَتَطَوُّلِهِ وَالعُيونُ شَاخِصَةٌ إلى عَطاياهُ وَفَضلِهِ ، فَلَمْ نُصادفْهُ في مَنزِلِهِ .
هامش
( 1 ) - المبارك : اسم نهرٍ بالبصرة . ( الحموي 5 : 50 ) . ( 2 ) - أرب فلاناً مؤاربة : باراه وغالبه في الدهاء . ( المعجم الوسيط ، مادة أرب ) .