قَصَدناهُ ثَانياً ، فَمُنِعنا مِنَ الدُّخولِ إليهِ وَقَصَدناهُ ثَالِثاً فَذُكِرَ أنَّهُ رَكبَ وَقَصدناهُ رَابِعاً فَقيلَ هُوَ فِي الحَمّامِ وَقَصدناهُ خامِساً فَقيلَ هُوَ نائِمٌ وَقَصَدناهُ سَادِساً فَقيلَ عِندَهُ صَاحِبُ البَريدِ وَهُوَ مَشغُولٌ مَعَهُ بِمُهِمٍّ وَقَصَدناهُ سَابِعاً فَذُكِرَ أنَّهُ رَسَمَ ألّا يُؤذَنَ لِاحَدٍ . . . » ( الحموي 15 : 46 ) .
3 - سجّل الجاحظ كثيراً من معارف عصره ودوّن ابوحيّان كثيراً من علوم عصره . لكن العلوم كانت في عصر أبي حيّان أكثر سعةً وتنوّعاً ومن هنا جاء أدب أبي حيّان أغزر ثقافةً .
4 - الجاحظ قدير على الجدل وإبطال الحق وإحقاق الباطل وتزيين القبيح وتقبيح الحسن ، بما يستخدم من مقدّمات منطقية وأدلّة خطابية في تأييد دعوى أو إثبات قضية أو نقض فكرة . لهذا كان الجدال من خصائصه وكان قديراً على التحوّل والتنقّل .
ومن هنا كان كثيراً ما يدافع عن آراءٍ لا يَدينُ بها ثم ينقضها ولهذا كثر تناقضه .
فهو يؤيد العثمانية على الرافضة ( الجاحظ ، الرسائل 1 : 241 ) ثمّ يعود يناقض ذلك فيؤيّد الزيدية على العثمانية وعلى أهل السّنة ( المصدر نفسه 1 : 299 ) ويفضّل علياً ( ع ) مرّة ويؤخّره مرّة أخرى . وهو - في غير المسائل السياسية - يفضّل السّودان على البيض ويمدح الكتّاب . ( الجاحظ ، البيان والتبين 4 : 24 ) ويذمّهم ( الجاحظ ، الرسائل 44 ) وهكذا .
أمّا أبوحيّان فكان كاتباً ذا عقيدة ، ولا يحسن من الجدل ما أحسن الجاحظ ولا يمزج قلمه بخصومات سياسيّة ولا يمدح شيئاً ويذمّه في الوقت نفسه .
وإذا كان قد مدح ابن العميد أولًا ثمّ هجاه ومدح ابن مسكويه ثمّ ذمّه ، فإن هذا ضربٌ آخر غير ما عرفنا عند الجاحظ فأبوحيّان رضى فمدح وغضب فذمّ . أمّا الجاحظ فقد مدح وذمّ حيث لا رضا ولاسخط وإنما هو نوع من افتنانه وسيطرة الجدل على نفسه كمدحه عروض الشعر وذمّه إيّاه ومدحه جمع الكتب في مجلّدات وذمّه لجمعها في مجلدات ( الجاحظ ، الرسائل 3 : 695 ) .
5 - الجاحظ في أكثر كتبه مكثر من الاستشهاد بالشعر والحكم والأمثال ومكثر من الطرائف الأدبية العامّة وأبوحيّان - في أكثر كتبه - مقلّ من هذا ولم يكثر إلّا في كتاب « الصّداقة والصديق » . ولعلّ سبب ذلك أنّ الجاحظ كان مشرباً حبّ الأدب أولًا والعلم ثانياً واستطاع أن
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 61
مساهمون: مهدي عابدي
ص٦١