وقول أبي حيان في التعجّب من ابن عبّاد وسخطه :
« فقال : طَعَنَ في رسائلي وعابَها ورَغِبَ عن نَسخِها وأزْري بها . . . حَتّى كَأنّي طَعَنتُ فِي القُرآنِ ، أوْ رَميْتُ الكَعبَةَ بِخَرقِ الحَيضِ أوْ عَقَرتُ نَاقَةَ صَالحٍ أوْ قُلتُ كانَ النَّظّامُ مَأبُوناً أو مَاتَ أبوهاشِمٍ في بَيتِ خَمّارٍ أوْ كانَ عَبّادُ مُعَلِّمَ صِبيانٍ » . ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 97 )
8 - إنهما يتشابهان في مظاهر أخرى كالإكثار من الجمل الدعائية واستعمال الجمل المعترضة كما أسلفنا في أسلوب أبي حيّان خاصّة .
وكقول الجاحظ ( يردّ على صديق طلب إليه أن يحدّثه عن البخل ونوادره ) : « تَولّاكَ اللهُ بِحفظِهِ وَاعانَكَ عَلَي شُكرِهِ وَوَفَّقَكَ لِطاعَتِهِ وَجَعَلكَ مِنَ الفَائِزينَ بِرَحمَتِهِ » ( الجاحظ ، البخلاء 1 : 15 ) .
1 - 4 - 2 - وجوه الاختلاف :
إذا كان أبوحيّان قد أعجب بالجاحظ وقرظه وحاكاه عامداً أو غير عامد ، فإنّه لم يكن صورة مكرورة للجاحظ ، لأنّ له مزاجه الخاص ونزعاته المستقلة وخصائصه المنفردة ، فلابدّ أن تظهر هذه في كتابته ، ومن هنا اختلف الكاتبان الكبيران في أمور عدّة :
1 - أبوحيّان أبرع من الجاحظ في تسجيل المناظرات والمحاورات بقلمه وفنّه ، فطالما نسج مجالس المناظرة نسجاً تفرّد به ونقل إلينا صورتها وحقيقتها مستعيناً بمقدرته على التصوير وبقوة حافظته الوقّادة ، وقد صاغ ذلك بقلمه . أمّا الجاحظ فقد برع في تصوير البخلاء والسخريّة منهم . وهو إلى ذلك يراوح في أسلوبه بين حديثه على لسان الخاصّة وحديثه على لسان العامّة ولهذا أوصى بأن تنقل مُلح العامّة وأشباههم والأعراب وغيرهم بلغتها الأولى وإن خالفت الإعراب .
2 - الفكاهة ميدان رحب من ميادين الجاحظ ، اشتهر به وبرع فيه .
وترجع براعة الجاحظ في الفكاهة إلى نفسه المرحة ومزاجه الضّاحك ومقدرته على التعبير والتلوين وقدرته على النقد والتجسيم وهذه النزعة جليّة في كتابه « البخلاء » وفي رسالة « التربيع والتدوير » ونزولًا عند رغبة نفسه المرحة .