« عِبتَ الكِتابَ ونعمَ الذُّخر والعُقدةُ ، ونعم الجليسُ والعُدّةُ ، ونعم النشوةُ والنّزهةُ ونعم المشتَغَل والحرفةُ ونعم الأنيسُ لساعة الوحدة ونعم المعرفةُ ببلاد الغربة ونعم القرينُ والدّخيلُ ونعم الوزيرُ والنزيل . . . » ( الجاحظ ، الحيوان 1 : 38 ) .
5 - كلاهما يجنحان إلى الإطناب وذريعتهما إلى الإطناب التعبير بكلمات مترادفة أو ترديد بعض الكلمات والجمل أو تشقيق معانٍ عدّة من معنىً أو تكرير المعنى الواحد في عبارات مختلفة تخيّل القارئ أنّ لكلّ منها معنىً خاصّاً فإذا تدبّر وجد المعنى واحداً أو كالواحد .
وسبب هذه النزعة عندهما حرصهما على التوضيح ورغبتهما في التوكيد .
ومن أمثلته عند الجاحظ قوله :
« وَلَوْ أنَّ رَجُلًا جَلَسَ عَلَى بَيْدَرِكُدس « 1 » - تَمرٍ فَائِقٍ وَعَلَى كُدْسِ كُمَثّرَى مَنعُوتٍ وَعَلَى مِائةِ قُنوِ « 2 » مَوزٍ مَوْصوفٍ ، لَمْ يَكُن أكْلُهُ إلّا عَلَى قَدرِ استِطرافِهِ وَلَمْ يَكُنْ أكْلُهُ إلّا عَلَى قَدرِ أكْلِهِ إذا اتِىَ بِذلِكَ في طَبَقٍ نَظيفٍ مَعَ خادِمٍ نَظيفٍ ، عَلَيهِ مِنديلٌ نَظيفٌ » ( الجاحظ ، البخلاء 1 : 73 )
ومن أمثلته عند أبي حيّان قوله لابن العميد :
« أقُولُ - وَخَيرُالقَوْلِ مَا انعَقَدَ بِالصَّوابِ وَخيرُ الصَّوابِ مَا تَضَمَّنَ الصِّدقَ وَخَيرُ الصِّدقِ مَا جَلَبَ النَّفعَ وَخَيرُ النَّفعِ مَا تَعَلَّقَ بِالمَزيدِ وَخَيرُ المَزيدِ مَا بَدأ عَنِ الشُّكرَ ، وَخَيرُالشُّكرِ مَا بَدأ عَنِ الاخلاصِ وَخَيرُ الاخْلاصِ مَا نَشَأَ عَنِ الايقانِ وَخَيرُ الإيقانِ مَا صَدَرَ عَن تَوْفيقٍ - لمّا رَأيتُ شَبابِي هَرِماً بِالفَقْرِ وَفَقرِي غِنىً بِالقَناعَةِ وَقَناعَتي عَجزاً عِندَ أهْلِ التَّحصِيلِ . . . » ( الحموي 15 : 37 )
6 - يتشابه هذان الكاتبان الكبيران في الإكثار من اسم التّفضيل إكثاراً يسدّ النظر ، سواءً أكانت هناك موازنة ومفاضلة أم لم تكن .
كقول الجاحظ في صفحة واحدة : « فَمَن أسْوَأُ حَالًا وَأضَرُّ مَكاناً مِمَّنْ كانَ حُرّاً مَالِكاً لِنَفسِهِ ، فَصيَّرَ نَفسَهُ عَبْداً مَمْلوكاً لِغَيرِهِ . . . وَكُلَّمَا كانَت إذاعَتُهُ لَاسْرارِهِ أكْثَرَ ، كانَ عَدَدُ مَواليِهِ أكثَرَ وَشَقاؤُهُ
هامش
( 1 ) - الكُدس : المجتمع من كلّ شئ نحو الحبّ المحصود والتمر والدراهم والرمل المتراكم . ( المعجم الوسيط ، مادة كَدَسَ )
( 2 ) - القُنو : العِذق بما فيه من الرطب ، أي عنقود موز . ( ابن منظور ، مادة قنو )