2 - كلاهما صبغ الأدب بثقافته الخاصة وعبّر عن مسائل دقيقة في الفلسفة والنفس والكلام وغيرها تعبيراً أدبياً كساها حلّة من الجمال .
فالجاحظ تكلّم في الحيوان مثلًا وألّف فيه كتاباً كاملًا ، مزج فيه الأدب والعلم كقوله :
« والهدهدُ مُنتَنُ البدن وإن لم تجده ملطَّخاً بشي من القَذرة ، لأنه يبنى بيتَه ويصنع أُفحُوصَةً من الزَّبل وليس إقتياتُه منه إلّا على قدر رَغبته وحاجته في ألّا يتَّخذ بيتاً ولا أفحُوصاً إلّا منه . . . » ( الجاحظ ، الحيوان 1 : 238 وما بعدها ) .
وتكلّم أبوحيّان عن الحيوان في الإمتاع والمؤانسة فقال :
« إنّ أخلاقَ أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفةٌ في نوع الانسان وذلك أنّ الانسانَ صفوُ الجنس الذي هو الحيوان والحيوان كَدَرُ النّوع الذي هو الإنسان والانسان صفوُ الشخص الذي هو واحد من النوع . . . وقالت التُّرك : ينبغي للقائد العظيم أن يكون فيه عشرُ خصال من ضروب الحيوان : سخاءُ الديك وتحنّن الدّجاجة ونجدةُ الأسد وحَملة الخنزير ورَوَغان الثَّعلب وصبرُ الكَلب وحراسةُ الكَركيّ وحَذَرُ الغراب وغارةُ الذئب وسمنُ بَعْروا . . . ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 143 - 144 ) .
3 - كلاهما كان بصيراً بمدلول الكلمة وجرسها وموضعها الملائم لها ، إعتماداً على حسّه اللّغوي وذوقه المرهف . علي سبيل المثال وصف الجاحظ قاضي البصرة عبد الله بن سوّار في قوله :
« كانَ لنا بالبصرة قاضٍ يُقالُ له عبد الله بن سوّار ، لم يَرَ الناس حاكماً قطُّ ولا زِمّيتاً « 1 » ولا ركيناً « 2 » ولا وَقوراً حليماً ، ضَبطَ من نفسه ومَلك من حركته ، مثل الذي ضبط وملك . كان يُصلّي الغداةَ في منزله وهو قريبُ الدَّار من مسجده ، فيأتي مجلسَهُ فيَحتبي « 3 » ولا يتّكئ ، فلا يزالُ منتصباً لا يتحرّكُ له
هامش
( 1 ) - زمُت زماتة : وقُر ورزُن وقلّ كلامه ( المعجم الوسيط ، مادة زمت ) .
( 2 ) - ركُن تركانة ورُكونة : رزُن ووقُر فهو ركين . ( المعجم الوسيط ، مادة ركن ) .
( 3 ) - احتبي : جلس علي ألْيتيه وضمّ فخديه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند ويقال : احتبي بالثوب : أداره علي ساقيه وظهره وهو جالس على نحو ما سبق . ( المعجم الوسيط ، مادة حبا ) .