تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
6 - اتّخذ النثر سلاحاً للهجاء ، بدلًا من الشعر ، كما نجد ذلك في هجائه لابن عبّاد وثلبه بعض معاصريه من علماء وشعراء وكتّاب وحاشية . انّه صّور بنثره مساوئ ومثالب معاصريه ، كما قال في وصف ابن عبّاد : « وهو في كُلّ ذلك يَتَشاكَى ويتحايَلُ ويَلوِي شِدقَه ويبتلِعُ ريقَه ويَردُّ كالآخذ ويأخُذُ كالمتمنّع ويغضب في عَرض الرّضا ويَرضى في لَبوس الغَضَب ويتهالَكُ ويتمالَكُ ويتقابَلُ « 1 » ويَتمايَلُ ويُحاكِي المُومَسَات ويخرُجُ في أصحاب السِّماجاتِ . » ( المصدر نفسه 1 : 59 ) . 7 - كان أبوحيّان بصيراً بما يطلب في التعبير الفني من دقّة وبعد ، فهو يقول : « فانّ الكلامَ صَلفٌ تياّه ، لايَستجيبُ لكلِّ إنسانٍ ولايصحَبُ كُلَّ لسانٍ وخَطَرُه كثيرٌ ومُتَعاطيه مغرورٌ وله أرنٌ « 2 » كأرن المُهْر وإباءٌ كإباء الحَرون « 3 » وزَهوٌ كزهو المَلِك وخَفْقٌ كخَفْق البَرق . » ( المصدر نفسه 1 : 9 ) . ولهذا نجده قد برع في استعمال الكلمات في معانيها الدقيقة لأنه صاحب حسّ قوي دقيق في وضعها المواضع الملائمة لها . وقد يسّر عليه هذه البراعة علمه باللّغة وحفظه لمفرداتها وبصره بمعانيها ، كقوله : « اللهّم فلا تخيّب رجاءً هو منوطٌ بك ولا تُصفّر كفّاً هي ممدودةٌ إليك ولا تذلّ نفساً هي عزيزةٌ بمعرفتك ولا تَسلُبْ عقلًا هو مُستضئٌ بنور هدايتك . . . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 3 ) . فهو يدعو الله ألا يخيب رجاءه وألا يصفّر كفّه وألّا يذلّ نفسه وألا يسلب عقله . . . وفي هذا دقّة أيّة دقّة ، لأنّ فيه ملاءمة بين الطالب والمطلوب . فقد وصف كلّ مطلوب بما يلائمه فالرّجاء منوطٌ والكفّ ممدودةٌ والنفس عزيزةٌ والعقل مستضئٌ .
هامش
( 1 ) - « ويتقابل » أي تتقابل أجزاؤه بعضها ببعض ، وذلك إذا استوي في مجلسه ولم يمل إلى ناحية . ( 2 ) - الأرن بالتحريك : النشاط . ( 3 ) - الحرون : الفرس الذي لا ينقاد ، وإذا اشتدّ به الجري وقف . ( الطريحي مادة حرن ) .