تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ووافق هؤلاء على النَّفي الأستاذُ محمد كرد علي فقال : « إنّ الصّاحب اتّهم التوحيدي بالزندقة ، ففرّ منه وطلبه المهلّبي ليقتله فهرب إلى دياربكر . » ( كردعلي 2 : 496 ) . ولكن علماء آخرين شهدوا له بسلامة العقيدة وصحّة الدّين . فهو في رأي ياقوت : « صوفيّ السّمت والهيئة ، متعبّد والناس على ثقة من دينه . » ( الحموي 15 : 5 ) . وابن النّجار يصفه بأنه : « كان فقيراً صابراً متديّناً صحيح العقيدة . » ( السبكي 4 : 2 ) . ولقد كان أبوحيّان صوفياً بل إنه عند الفرس علمٌ من أعلام المتصوّفة ، قال عنه أبو العباس أحمد زركوب : « إنه الإمام الموحّد ، العالم الواسع العلم ، ليس له شبيه في المكاشفات الإلهية والدراية بالتوحيد . » ( زركوب 108 ) . ويبدو لي على اتّهامه بالزندقة وزعمهم أنه نُفي بسببها ، عدّة ردود : الف - المفهوم من كلام ابن فارس أن الصّاحب طلبه ليقتله ، ففرّ منه ثم تعقّبه الوزير المهلّبي ، هذا كلام تعوزه الصحّة لأنّ أباحيّان ترك الصاحب سنة 370 : ه والوزير المهلّبي توفي سنة 352 : ه . ( الصفدي 1 : 131 ) ، فكيف يتعقّب المهلّبي أباحيّان وقد توفّى قبل ترك أبي حيّان الصّاحب 18 سنة ؟ ب - لم يشر أبوحيّان - على دقّته في وصف الأشخاص - إلى أنّ الصّاحب فكر في قتله أو أوعز بحبسه ولو أنّ شيئاً من هذا حدث لذكره على عادته في تفصيل الأحداث . ج - يحملنا على الشّك فيما زعمه ابن فارس من نسبة الزّندقة إلى أبي حيّان ، « أنّ ابن فارس كان أستاذاً لابن عبّاد قبل أن يلي الوزراة وكان صديقاً له لما تولّاها . » ( ابن خلّكان 1 : 75 ، الحموي 4 : 83 ) . وكان أستاذاً لأبي الفتح ابن العميد ( الحموي 6 : 231 ) . فمن المرجّح أنّ ابن فارس أراد أن يشوّه سمعة أبي حيّان ويثأر للصّاحب ولابن العميد منه ، فألصق تهمة الزّندقة به . د - كان ابن فارس معاصراً لأبي حيّان وقد ذمّه أبوحيّان ذمّاً شنيعاً بقوله : « إنّه شيخٌ فيه محاسنُ ومَساؤي ، إلّا أنّ الرُّجحانَ لما يُذَمُّ به لا لما يُحْمَدُ عليه ، فمِن ذلك أنَّ له خِبرةً بالتصرّف . . . إلّا أنّ هذا كلَّهُ مَردودٌ بالرُّعُونة والمَكر والإيهام والخِسّة والكذب والغيبة . . . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 205 - 206 )