على أنّه كان في بعض الأوقات يستسلم إلى اليأس من الناس ويستشعر الغنى عمّا في أيديهم ويدعو الله أن يصون وجهه عن الحاجة إليهم والطلب منهم .
فقد ختم رسالة العلوم بقوله :
« أستخلف الله منكم وعليكم وأستغفره لي ولكم ، إنه غفورٌ رحيمٌ منوحٌ كريم . اللّهم صُنْ وجهَنا باليَسار ولا تبتذلنا للإقْتار ، فَنَسترزق أهلَ رزقك ونسأل شرارَ خلقك ، فنبتلي بمدح من أعْطَى وذمّ من مَنَع وأنت مِن دونهم وليُّ الإعطاء . » ( التوحيدي ، رسالة العلوم 208 ، ملحقة بكتاب الصداقة والصديق )
كان شديد الخوف ، ضعيف العزيمة ، كثير الهيبة ومن هنا ملّ الوراقة والنّسخ وتطلّع إلى كسب أيسر وأسهل ، لكنّه يتجه إلى الارتزاق من عمل آخر يشعر فيه بالحرّية والكرامة ، على كثرة ما مُني به من الأمل .
سأله الوزير ابن سعدان : « لِمَ لا تُداخلُ صَاحبَ ديوان ولم تَرضى لنفسك بهذا الَّلبوس ؟ فقال : أنا رجلٌ حبُّ السّلامة غالبٌ علىَّ والقناعةُ بالطفيف محبوبةٌ عندي . فقال الوزير : كنيتَ عن الكسل بحبّ السّلامة وعن الفسولة « 1 » بالرّضا باليسير . فقال أبوحيّان : إذا كنت لا أصل إلى السَّلامة إلّا بالفُسُولة ولا أتعلّم الرّاحة إلا بالكسَل ، فَمرحباً بهما . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 104 )
وقد أسرف في السّخط والشّكوى و « ذمَّ أهلَ زَمانه وعابَهم بنَقْصِ الدّين والبُخْل وضَعف المُروءة . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 16 - 18 ) .
من ذلك قوله :
« فقد أصبحنا في هذه الدّار - الدّنيا - وكأنما هي قاعٌ أمْلس أو أثرٌ أخْرس ، لم يبق من يُرضي هَدْيه أو يقتبس علمُه أو يخطب عُرفه . . . أو يُستفاد لفظُه - وما ذلك الّا لنَفَل القلوب ودَخَل « 2 »
هامش
( 1 ) - الفُسولة : الجبن ، فسُل الرّجل فَسالة وفُسولة : جبُن ورذُل . ( المعجم الوسيط ، مادة فسل ) .
( 2 ) - الدخل : الفساد والعيب . ( المعجم الوسيط ، مادة دخل ) .