هذا الرّجل الذي لم يجد من رفاهة الحياة ما يلائم علمه وأدبه ولم يلق من رعاية الوزراء والأمراء في عصره بعض ما لقى منهم من هو أقلّ منه علماً وأدباً قضى حياته يائساً ناقماً ، هذا الرّجل قد اتهّم في عقيدته وتراكم على انتاجه غبارٌ كثيفٌ من الشك والرّيب وكاد يطيح بمكانته الأدبية والعلمية ، في عصرلم يكن يحتمل من الزندقة والإلحاد ما يوصف بأنه زندقة وإلحاد ، وإن كان بريئاً .
1 - 3 - 8 : اتّهامه بالزّندقة :
ربّما كان أوّل من اتّهمه بالزّندقة الكاتب اللغوي ابن فارس المتوفّي في القرن الرابع في كتابه « الفريدة والخريدة » فقد نقل عنه قوله : « كان أبوحيّان قليل الدّين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان ، تعرّض لأمور جسام من القدح في الشّريعة والقول بالتعطيل . » ( الصفدي 7 : 18 ، الذّهبي 24 : 401 )
ولقد وقف الصاحب ابن عبّاد على بعض ما كان يخفيه من سوء الإعتقاد فطلبه ليقتله ، « فهرب والتجأ إلى أعدائه . . . فطلبه الوزير المهلّبي فاستتر منه ومات في الاستتار وأراح الله منه ولم يُؤثر عنه إلّا مثلبة أو مخزية » ( السبكي 4 : 2 ) .
ثمّ جاء ابن الجوزي فقال : « زنادقة الإسلام ثلاثة : ابن الراوندي والتوحيدي والمعرّي . وشرّهم على الإسلام أبوحيّان لأنهما صرّحا وهو مُجمجمٌ « 1 » ولم يصرّح . » ( السيوطي 348 ، السبكي 4 : 2 ) .
ثمّ ردّد الذهبي هذه التّهمة وزاد عليها قوله : « إنّ أباحيّان كان عدواً لله خبيثاً سيّئ الإعتقاد . » ( الذهبي 355 : 3 ؛ السبكي 4 : 2 ) .
وتشير دائرة المعارف على أنّه نُفى لزندقته . قال مرجليوث :
« نفاه المهلّبي المتوفّى سنة 352 من بغداد - وكان يعيش فيها من الكتابة - لزندقته في آرائه التي أوردها في مصنّفات له فُقدت . » ( وجدي 1 : 333 )
هامش
( 1 ) - جمجم فلانٌ : يبيّن كلامَه وجمجم الشئ في صدره : أخفاه ولم يُبده ( المعجم الوسيط ، مادة جحم ) .