تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
« كنتُ بحضرة أبي سعيد السيرافيّ ، فوجدت بخطّه على ظهر كتاب اللمع في شواذب التفسير - وكان بين يديه - فاجتذبته ونظرت ، قال : ذمّ أعرابي رجلًا . فقال : ليس له أولٌ يُحمل عليه ولا آخر يُرجع إليه ، ولا عقل يزكو به عاقل لديه وأنشد :
« حَسِبتُك إنْساناً عَلَى غَيرِ خُبْرة * فَكشَّفت عن كلْبٍ أكبَّ عَلى عَظمِ لحَا اللهُ رأياً قادَ نحوَك هِمَّتي * فأعْقَبَني طولُ المَقامِ على الذَّمِّ »
فيما نراه معجباً بذمّ الأعرابي نثره وشعره ونجده ينقل هذا الذّم ونرى السّيرافي يصارحه بأنه دؤوب على الاشتغال بالقدح وثلب الناس . ثمّ نرى أباحيّان لا يرد عن نفسه هذا الوصف ولايخجل منه ، بل يواصله ويستديمه ويبرّره بأنه نوع من المُتعة فقال : « أدام الله الإمتاعَ ، شُغل كلُّ الناس بما هو مبتلى به مدفوعٌ اليه . » ( الحموي 15 : 8 ) . وكان إلى ذلك طمّاعاً شديد الرّغبة إلى عطاء الوزراء وهذا هو السّبب في صلته بابن العميد وابن عبّاد وابن سعدان وغيرهم ولقد كان يستطيع أن يعيش من الوراقة ومن العلم ويترفّع عن التأميل في وزراء عصره متأسّياً بكثير من أصدقائه ومخالطيه ، لكنّه لم يتأسّ بهم وإنّما مدّ بصره إلى نعمة رآها على من أنعم الله عليهم . وربّما أذلّ نفسه أشنع الذلّ لأنه كان لحوحاً في طلبه وصبوراً علي طول الرجاء كما قال : « أين أنا من مشرق الخير ومغرب الجميل ؟ أين أنا عمّن يرى البخلَ كفراً صريحاً والإفضال ديناً صحيحاً ؟ لم لا أقصد بلاده ؟ لم لا أقتدح زِناده ؟ لم لا أنتجع جنابَه وأرعى مزادَه ؟ لم لا أسكن ربعَه ؟ لم لا أستدعي نفعَه ؟ . . . » ( الحموي 15 : 37 ) وكتب إلى أبي الوفاء المهندس رسالة تدلّى فيها بشكواه وتذلّل كقوله : « خلّصْني من التكنُّف ، أنقذْني من لُبس الفَقْر ، أطلقْني من قَيد الضُّر ، إشترني بالإحْسان ، إعتَبِدني بالشُّكر ، إكفني مَؤونةَ الغَداء والعَشاء ، إلى متى الكسَيرةُ اليابسةُ والبُقيْلةُ الذاوية والقَميصُ المرقَّعُ . . . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 3 : 236 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 42 | مهدي عابدي