ثمّ إنّ الشّعور بدنوّ الأجل بعد كلّ ما قاساه من شظف المعيشة وآلام الحياة قد ولّد في نفسه ثورة كبرى على أعزّ ما كان يملك فقال : « وهل جامعُ الكتب الّا كجامع الفضّة والذّهبِ وهل المنهومُ بها الّا كالحريص الجَشَعِ عليها . . . هيهاتَ ، الرحيلُ واللهِ قريبٌ والثّواءُ قليلٌ والمضْجَعُ مُقضّ والمقامُ مُمضّ والطّريق مخوفٌ والمعينُ ضعيفٌ والإغترارُ غالبٌ والله من وراءِ هذا كلّه طالبٌ . . . » ( الحموي 15 : 24 - 26 ، التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 20 ) .
إنّنا لا نعلم ماذا كان من أمر التوحيدي بعد إحراقه لكتبه عام 400 : ه ، لانّه ليس بين أيدينا من المراجع ما يقطع بنوع الحياة أو أسلوب المعيشة التي عاشها أبوحيّان في سنواته الأخيرة ، إذن لابدّ من أن يكون أبوحيّان قد أمضى هذه الفترة الطويلة من الشيخوخة في التعبّد والتنسّك والاستغفار بصحبة بعض إخوانه من الصّوفيين إلى أن قضى بشيراز ودفن فيها على ما جاء في كتاب « وفيات الأعيان » . ( ابن خلّكان 1 : 22 ) .
1 - 3 - 6 : أخلاقه وشخصيته :
لم يكن ابوحيّان مزوّداً بأخلاق عالية تعدل علمه وأدبه ولو أنه كان كذلك لصار نادرة في عصره ومثلًا عالياً في عصره وبعد عصره . لكنّ الرجل كان في أخلاقه بشراً عادياً يعتريه الضعف أكثر مماّ تعتريه القوة ويقع في الخطأ أكثر ممّا يقع على الصّواب .
فهو كما ذكر ياقوت : « سخيفُ اللّسان ، قليلُ الرّضا عند الإساءة اليه والإحسان ، الذمُّ شأنُه والثّلبُ دُكّانُه . وكان مع ذلك محدوداً محارفاً « 1 » يتشكّى صرفَ زمانه ويبكي في تصانيفه على حِرمانه . » ( الحموي 15 : 6 ) .
لا سبيل لتفنيد ما قاله ياقوت ، فقد كان أبو حيان عيّاباً سليط اللسان ونحن نستنبط ذلك من كلامه ، لأنّه حكى عن نفسه في كتاب المحاضرات :
هامش
( 1 ) - محارفاً : محروماً .