تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
الظاهر أنّ أباحيّان كان أكثر توفيقاً في اتّصاله بالوزير ابن العارض أبي عبد الله الحسن بن سعدان ( المتوفي 375 : ه ) وزير صمصام الدولة البويهي . فقد اتّصل به بواسطة شخصية عالمة فاضلة التقى بها التّوحيدي في فارس ، وسرعان ما توثّقت بينه وبينها أواصر المودّة والصّداقة وتلك هي شخصية أبي الوفاء المهندس البوزجاني الذي أهدى إليه أبوحيّان من بعد كتابه « الإمتاع والمؤانسة » تقديراً له واعترافاً بفضله . توطّدت العلاقة بين أبي حيّان وابن سعدان فنسخ له كتاب « الحيوان » للجاحظ وألّف له رسالة في « الصّداقة والصّديق » وقد كان ابن سعدان يتمتّع بناحية علمية أدبية صوّرها لنا أبوحيّان في كتبه قائلًا : « كان واسع الاطّلاع ، له مشاركة جيّدة في فروع العلم من أدب وفلسفة وطبيعة والهيّات وأخلاق . يدلّ على ذلك حواره الذي يحكيه أبوحيّان فهو يسأل أسئلةً عميقة وينقُد الإجابة عنها نقداً قيّماً . » ( التوحيدي ، مقدمة كتاب « الإمتاع والمؤانسة » « ط » . ) ولكن يشاء سوء الطالع أن يلاحق التّوحيدي إلى النّهاية إذلم يبق ابن سعدان في الوزارة إلا مدةً قصيرة ، فقد ظهر له عام 375 : ه خصمٌ لدود ، هو الوزير أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف ، قبض عليه هو وأصحابه وأودعوا السجن . وأغلب الظنّ أنّ أباحيّان قد خشي أن يلاحقه أعوان الوزير الجديد فآثر الاختفاء عن أعين رجال ابن يوسف وهرب إلى شيراز حيث راح يتردّد على المتصوّفة ويعيش معهم والظاهر أنّه كان يعيش في فقر مدقع بدليل قوله : « لقد غَدا شبابي هَرَماً من الفقر والقبرُ عندي خيرٌ من الفَقر » ( الحموي 15 : 23 ) . وزاد من حقد التوحيدي علي الناس وتشاؤمه من الحياة ، ما لاحظه من انصراف الناس عنه وقسوة الحياة عليه فلم يلبث أن أحرق ما لديه من المصنّفات ، و « قد كتب اليه القاضي أبو سهل حوالي سنة 400 : ه رسالةً يعذله فيها على سوء هذا الصّنيع . » ( المصدر نفسه 16 : 15 ) . لانّه كان يشعر « بأنّ علمَه قد أصبح كلّاً وأنَّه قد صار في رقبته غِلّاً ، فهو لا يجد حَرَجاً في إحْراق كتبه ما دام علمُه قد أصبح عديمَ الجَدوى في حياته ! » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 20 ) .