تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وكان يظنّ أنه واحد الدنيا وأنّه لسان الزمان وخطيب الدهر وأنّ قلمَه فوق السّيف . . . » ( المصدر نفسه 213 ) . وقد كان ابن العميد وأبوحيّان من المولعين بالجاحظ ، فتنازع الناس في وصف ( الجاحظية ) بينهما حتى لقد نعت كلّ منهما بأنّه « الجاحظ الثاني » ( السندوبي ، مقدمة المقابسات 11 و 12 ) . والظّاهر أنّ خيبة أمل أبي حيّان من وراء انتجاعه لفناء ابن العميد هي التي حدتْ به إلى المبالغة في ذمّه والطعن فيه . فهو يعترف بأنّ ابن العميد والصّاحب كانا كبيري زمانهما وإليهما انتهت الأمور ولكنّه يذكر في الوقت نفسه أنّ « النقصَ ممّن يدّعي الكمال أشنعُ والحرمانَ من السيّد المأمول فاقِرةٌ والبخل ممن يتبرّأ منه بدعواه عَجيبٌ ؟ ! . . . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 350 ) . ثمّ انطلق أبوحيّان سنة 367 قاصداً مدينة الرّي مرة أخرى للاتصال بالوزير الصاحب ابن عبّاد وقد كانت خيبة أمله في ابن العميد سبباً في إقباله على باب الصّاحب آملًا أن يجد عنده ما لم يظفر به عند ابن العميد ولكنّه لم يستطع أن ينال حظوتَه لرفضه أن يكون كاتب الإنشاء . ( الحموي 15 : 27 ) ولم يكن يراود ذهن أبي حيّان أنّ الصّاحب ابن عبّاد يعهد إليه بعمل من أعمال الوراقة التي كان قد سئمها وتمنّى التخلّص منها . لكنّ أمله قد خاب فيه لأنه لم يلق عنده ما كان يأمل فيه لذا نجده يصفه قائلًا : « وكان ابن عبّاد شديدَ الحسد لمن أحسن القولَ وأجاد اللَّفظَ وكان الصّواب غالباً عليه ، حدّثته ليلةً بحديثٍ فلم يملك نفسه حتى ضحك واستعاده ، ثمّ قيل لي بعد أنه كان يقول : قاتل الله أباحيّان ! فإنه نكد وانّه وانّه . . . وأكره أن أروى ذمّي بقلمي وكان ذلك كلّه حسداً محضاً وغيظاً بحتاً . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 59 ) . فارق التوحيدي فِناءَ الصّاحب بن عباد سنة 370 : ه بعد صلة دامت حوالي ثلاث سنوات رجع على أثرها إلى مدينة السّلام صفر اليدين ( المصدر نفسه 333 ) . والتوحيدي يقرّر : « أنّ الصاحبَ لم يعطه طوالَ هذه المدّة درهماً واحداً أو ما قيمته درهمٌ واحدٌ على الرّغم من كلِّ ما نسخه له . » ( المصدر نفسه 325 ) .