الكبراء ، طمعاً في التخلّص من تلك المهنة الشاقّة التي كان يقول عنها « حرفة شؤم ، لأنّ فيها ضياع العمر والبصر . » ( الحموي 15 : 28 ) .
1 - 3 - 5 : علاقته بالحكّام :
حينما ننتقل من عهد الطّلب في عنفوان الشباب إلى عهد التنقّل والتّرحال ، فنجد أنفسنا بإزاء محاولات عديدة قام بها أبوحيّان بقصد الخروج من ضائقته المالية ولنيل الحظوة عند الوزراء والكبراء . لكنّنا لا نعرف الأسباب والظّروف التي اتّصل أبوحيّان بالوزير أبي محمد المهلّبي - وزير معزّالدولة - ولكن الذي نعلمه أنّ المهلّبي كان محباً لأهل العلم والأدب ، عطوفاً على الكتّاب والأدباء ، فليس بمستبعد إذن أن تكون هذه الشهرة هي التي حرّضت أباحيّان على محاولة الاتصال به والتقرّب إليه .
لكن نهاية اتّصاله بهذا الوزيرلم تكن مرضية فقد « نفاه المهلّبي ( ت عام 352 : ه ) من بغداد وكان يعيش فيها من الكتابة لزندقته في آرائه التي أوردها في مصنّفات له فقدت الآن . » ( وجدي ، مادّة التوحيدي 333 : 1 ) . وإنّ السّبب في اتهام أبي حيّان بسوء العقيدة والزّندقة إنما هو ذلك الكتاب الذي ألّفه باسم « الحجّ العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحجّ الشرعي » وهو الكتاب الوحيد الذي يظهر أنه أعرب فيه عن بعض الآراء الصّوفية التي تتنافى مع قواعد الإسلام . ( إبراهيم 43 )
ثمّ غادر أبوحيّان بغداد بقصد الرّحيل إلى الرّي للاتصال بأبي الفضل بن العميد ، لأنّه كان ابن العميد - في ذلك الوقت - ذا قدر مهيب فقد كان الشعراء يقصدون بابه لكرمه وسخائه كما كان النقّاد يثنون عليه لفصاحته وبلاغته ومن بين الشعراء أبو الطّيب المتنبّي وكان أبوحيّان ينتظر من ابن العميد أن ينقذه من براثن الفقر وأن يسبغ عليه الكثير من العطايا ولكن الظاهر أنه لم يظفر منه بما كان يطمع فيه .
« فلم يستطع أن يحتمل منه شحَّه وبخلَه واعراضَه عنه . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 221 - 222 ) فراح يشنع عليه لبخله ، ثمّ لم يلبث أن راح يحطّ من قدره ولعلّ من هذا القبيل قوله : « كان ( ابن العميد ) يظهر عِلماً تحته سَفَه ويدّعي علماً هو به جاهلٌ ويرى أنّه شجاع وهو أجبن من دابّة . . .