فما جاراه فيه أحد . صام أربعين سنة وأكثر الدّهر كلّه . » ( الحموي 8 : 150 ؛ التوحيدي ، المقابسات 58 )
لقد إعتقد البعض « أنّ أباحيّان تلقّى أسرار التصوّف - في سن مبكرة - على يد أستاذه أبي سعيد فصار منذ ذلك الحين شيخاً من مشايخ الصّوفية . » ( إبراهيم 38 )
ومن الأساتذة الذين تلمذ لهم أبوحيّان الشيخ علي بن عيسى الرّمّاني ( 276 : ه - 384 : ه ) وكان يُعرف بالإخشيدي وبالورّاق ، فقد كان أحد مشاهير الأئمة في مختلف العلوم فضلًا عن أنه كان متكلّماً على طريقة المعتزلة وقد وصفه أبوحيّان فقال :
« ومنهم علي بن عيسى الرّمّاني فإنّه لم يرَمثله قط بلا تقيّة ولا تحاشٍ ولا اشمئزاز ولا استيحاشٍ علماً بالنّحو وغزارةً في الكلام وبصراً بالمقالات واستخراجاً للعَويص . . . » ( الحموي 14 : 76 ) .
وهناك شخصية أخرى قال أبو حيان عن صاحبها : « إنّه بشأن الشَّريعة أعلَمُ ولأعاجيبِها أحفظُ وفيما أشكلُ منها أفقهُ » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 198 ، ابن عربي 2 : 128 ) وتلك هي شخصيّة أبي حامد أحمد ابن بشر المروروزي ( ت 362 : ه ) وقد كان أبوحيّان معجباً أشدّ الإعجاب بسعة الاطلاع المروروزي وغزارة علمه وتبحّره في أصول الشّريعة وفروعها . » ( ابن خلّكان 1 : 18 ) وقد تلقّى أبو حيان أصول الفقه الشّافعي على أستاذه هذا أبي حامد كما أخذ عنه الكثير من المعارف في مختلف ألوان الفنون والآداب .
لاشكّ أنّ امتزاج كلّ هذه الثقافات المتباينة في نفس أبي حيّان قد عمل على صبغ تفكيره بصبغة موسوعية واضحة ، ممّا أدّى إلى اتّسام انتاجه الفكري بطابع تحرّري متفتّح ، لا نكاد نجد له نظيراً عند غيره من مفكّري عصره .
ثمّ جاءت - بعد ذلك - حرفة الوراقة ، فقرّبته من عالم الكتب إذ كان عليه أن يسترزق من مهنة النّسخ والنقل والتصحيح ، كما كان عليه أن ينسخ الكثير من أمّهات الكتب العربية لبعض الوزراء والكبراء ؛ لكنّه لم يشتغل بهذه الحرفة إلّا على مضضٍ فإنه كان يطمع في الحصول على مركز اجتماعي يتناسب مع مستواه العلمي ولعلّ هذا هو السبب في أنّنا نراه يحاول الاتّصال بالوزراء
و
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 37
مساهمون: مهدي عابدي
ص٣٧