تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
والفلسفة وانصرافه إلى البحث في اللغة والنحو ، ثمّ انشغاله أخيراً بالتصوّف ، فقد كانت « شخصيتة فلسفية طُلَعَة تستخلص الأسئلة من كلّ ما يقع أمامها سواءً أكانت المسائل خُلقية أو اجتماعية أو لغوية أو اقتصادية أو نفسية » ( التوحيدي ، الهوامل والشوامل 5 ) . وحسبنا هنا أن نستعرض أسماء بعض الأساتذة والشيوخ الذين تتلمذ لهم أبوحيّان ، لكي نتحقّق أنّه لم يتلقّ العلم إلّا على أيدي مفكّرين موسوعييّن نبغوا في فروع عديدة من المعرفة . ربمّا كان في مقدّمة هؤلاء الأساتذة الفيلسوف المنطقي واللغوي أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني ، صاحب النظر العميق في الأدب والشعر وقد وصفه لنا أبوحيّان قائلًا : « أمّا شيخُنا أبو سليمان ، فإنه أدقُّهم نَظراً وأقعرُهُم غَوصاً وأصفاهم فِكراً وأظفرهم بالدُّرَر وأوقفُهُم على الغُرَر . . . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 33 ) . والظّاهر أنّ أباحيّان كان من أقرب المقرّبين إلى أبي سليمان ، حتى لقد استقرّ في ظنّ بعض المؤرّخين « أنّ التّوحيدي لم يكن يتردّد على مجالس الرؤساء وندوات الوزراء إلّا لكي يطّلع على الأخبار وينقلها إلى أستاذه أبي سليمان . » ( القفطي 186 ) . فقد أفاد أبوحيّان الكثير من ملازمته أبا سليمان حتى إنّ كتابه المسمّى باسم « المقابسات » يكاد يقتصر على أحاديث فلسفية ومناقشات جدليّة وقعت بين أبي سليمان وبين تلاميذه . وهناك أستاذ آخر أفاد منه أبو حيان الكثير وقرأ معه الكثير من الكتب اليونانية المترجمة وهذا الأستاذ هو الفيلسوف النصراني ، أبو زكريا يحيي بن عديّ آخر « مَن انتهَتْ إليه رياسةُ أهل المنطق في زمانِهِ . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 2 : 18 ) . وأمّا الأستاذ الأكبر الذي أخذ عنه أبوحيّان النحو والكلام وغيرهما من أصناف العلوم والمعارف فهو الشيخ أبو سعيد السّيرافي ( 284 : ه - 368 : ه ) الذي كان من كبار النّحاة والمتكلّمين المعتزلة في القرن الرابع وقد وصفه لنا أبوحيّان - في معرض المفاضلة بين بعض العلماء وبين الجاحظ - فقال : « ومنهم أبو سعيد السيرافي : شيخُ الشيوخ وإمام الأئمة ، معرفة بالنحو والفقه واللّغة والشعر والعروض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث و . . . وشرح كتاب سيبويه في ثلاثة آلاف ورقة بخطّه ،