تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥

1 - 3 - 4 : نشأته :

مع الأسف لا نجد أمامنا وثيقةً واحدة أو مصدراً واحداً نستطيع أن نستنتج منه شيئاً عن طفولة أبي حيّان أو علاقته بأسرته أو صلاته بأخوته أو بإخوانه . . . الخ وهذا ما حدا بأحد الباحثين إلى القول أنّ الرجل « فقَدَ كلّ شيء في عهد مبكّر ، كما فقد الصّديق والصاحب والتابع والرئيس في سني عمره » . ( التوحيدي ، الإشارات الإلهية « : ه » ) وكم كنّا نودّ لو أن أباحيان قدّم لنا اعترافات - أو ترجمة ذاتية - على غرار ما فعل الغزالي من بعد في « المنقذ من الضّلال » حيث نراه يروى لنا تطوّره الروحي ، ولكن التّوحيدي الذي كان كثير الحديث عن نفسه قد أمسك عن الإشارة إلى ماضيه ، كما صمت عن كل ذكر لأهله وأغلب الظنّ عندنا أنّه قد حرم في طفولته من كلّ عطف وحنان ، فاتّسمت حياته منذ البداية بطابع القمع والحرمان . فقد عاش التوحيدي طفولة معذّبة . « منعه الحياءُ من الخوض فيها فاكتفى بالصّمت الذي هو أبلغ من كلّ كلام . » ( التوحيدي ، المقابسات 275 - 276 ) . كان هذا الحرمان سبباً في التجائه إلى الدّرس والتحصيل ، لعلّه يجد فيه تعويضاً عن بعض ما فاته من نعم الحياة واهتمامه بالعلوم والدراسة قد صرفه عن التفكير في الزّواج وانجاب النسل ، فلم يعرف عنه أنّه تزوّج أو رزق أولاداً بدليل قول الحموي : « إنه ظلّ طول عمره لا يجد حوله ولداً نجيباً وصديقاً حبيباً وصاحباً قريباً وتابعاً أديباً ورئيساً منيباً . » ( الحموي 15 : 19 ) ويظهر أن ميله إلى التنقّل وولعه بالأسفار ، قد حالا بينه وبين الإستقرارو الإستتباب ، فلم يكن في وسعه أن يفكر في تكوين أسرة ، لأنّنا نستنتج من أحاديثه ورسائله أنّه كان ينتقل بين بغداد والريّ ونيسابور وشيراز وغيرها من المدن وأغلب الظنّ أنّ معظم هذه الأسفار كان إمّا طلباً للعلم أو بحثاً عن الرّزق ممّا حدا بالبعض إلى القول أنّ أباحيّان كان دائماً « قلق الرّكاب ، لا يكاد يستقّر في مكان إلّا ويزعجه أمر إلى الإرتياد سواه . . . » ( مقدمة المقابسات 12 ) . إنّ حبّ التّنويع الذي اتّسمت به أخلاق هذا الرّجل قد دفعه إلى الأخذ من كلّ علم بطرفٍ فكان من ذلك اهتمامه بدراسة الفقه والحديث وانشغاله بالكلام والتّوحيد وعنايته بمسائل المنطق
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 35 | مهدي عابدي