الحضارة الإسلامية فبدت صورة الواقع غائمة ، لا يكاد يظهر منها بصيص نور يجدّد الأمل في غدٍ أفضل . فهل نجد مجتمعاً أسوأ حالًا من ذلك الذي تسوده الفوضى السياسية والإجتماعيّة ويحكمه الظّلم والعسف وتسفك فيه الدماء هدراً ؟ هاتان القيمتان الذهنية والواقعية تعبّران عن عمق الصلة بين الكتاب وبين البيئة التي عاشها المؤلّف .
لكن الصّورة المرسومة لتلك البيئة ، يجب أن لا تخدعنا فنرتاح إليها وكأنّها الواقع ذاته ، فهي صورة رسمتها عين أبي حيّان السّوداء ونمّقها ضميره القلق وصاغها عقله الثّائر ، فجاءت داكنة تمازجت فيها كلّ عوامل قلق المؤلّف وثورته .
فالكتاب إذن هو إفراز لعوامل البيئة وبواطن الذّات . . . . . . . . . . . . . . . . . . والله المويّد .
نتائج البحث :
لقد توصلت هذه الدّراسة المقتضبة إلى نتائج يمكن تلخيصها فيما يلي :
1 . إنّ حبّ التّنويع الذي اتّسمت به أخلاق أبي حيّان التوحيدي قد دفعه إلى الأخذ من كلّ علم بطرفٍ فكان من ذلك اهتمامه بدراسة الفقه والحديث وانشغاله بالكلام والتّوحيد وعنايته بمسائل المنطق والفلسفة وانصرافه إلى البحث في اللغة والنحو ، ثمّ انشغاله أخيراً بالتصوّف .
2 . إنّ امتزاج الثقافات المتباينة في نفس أبي حيّان قد عمل على صبغ تفكيره بصبغة موسوعية واضحة ، ممّا أدّى إلى أن يتّسم إنتاجه الفكري بطابع تحرّري متفتّح ، لا نكاد نجد له نظيراً عند غيره من مفكّري عصره .
3 . أسلوبه يتراوح بين الرّقة والجفاف تبعاً للموضوع الذي يودّ معالجته ، فهو يبدو رقيقاً منساباً عند معالجته مواضيع إنسانية ، ورصيناً جافّاً في المسائل التي يغلب عليها الطّابع الفلسفي والمنطقي ، كما أنّ موضوعاته لم تكن ممّن تستسيغه العامّة ، بل كان ذا منهج منطقي ، موسوعي ، فلسفي وهذا ما كان يبعده عن طبقات المجتمع إلّا النّخبة من المثقّفين .