والتفسيق ولابدّ أن نلاحظ أنّ أباحيّان لا ينكر التفلسف ولا اعمال العقل ، لكنّه ينكر أن يسوق التفلسف الإنسانَ إلى الكفر ومخالفة الشّريعة .
ويتنزّل في نفس هذا الاتّجاه موقف التّوحيدي من الأدب والحساب ، فقد بينّا أنّه يرفض أن تفضل صناعة الحساب ، صناعة البلاغة والإنشاء . بل هو يقرّ بالتكامل بين الصّناعتين .
إنّنا نرى من خلال هذه المواقف أنّ أباحيّان يعارض كلّ جديد يدخل المجتمع فهل ذلك منه تحجّر وتنكّر للتطوّر ؟
يجب أن نعود هنا إلى واقع المجتمع الاسلامي في القرن الرابع الهجري لنفهم موقف أبي حيّان الخاصّ . يقول أحمد أمين واصفاً حالة المجتمع آنذاك : « أُصيب العالَمُ الاسلاميُ بانقسامٍ كبيرٍ حتى كأنّه عِقدٌ إنفَرطَ أو صَخرةٌ تفتَّتَتْ » ( ظهر الاسلام 1 : 1 ) . تعبّر هذه الجملة صادق التعبير عن حالة العالم الاسلامي آنذاك وهي حالة من الانقسام العامّ سياسياً واجتماعياً وفكرياً .
ومن أبرز أسباب ذلك التشتّت الكبير دخول عناصر جديدة حملت معها رؤى جديدة في السياسيّة والفكر والمجتمع ، وقد تغلغلت تلك العناصر بنظرتها تلك وسيطرت على المراكز السياسية والفكرية فازداد المجتمع تمزّقاً وصار مهدّداً في كيانه لأنّه قد فقَدَ العدل السياسي والتسامح الاجتماعي .
وقد وعى التّوحيدي هذه المخاطر فأبرز موقفه صراحةً ، فهو خائف على مستقبل هذا المجتمع غداً أن يدوم تشتّته وتمزّقه وانطلاقاً من هذا الخوف والفزع وقف معارضاً لكلّ جديد يعمق التفكّك بالبلاد ، فالمعارضة ليست عقيدة ، بل هي موقف آني حتى يسلم المجتمع ويأمن على غده من الضياع والدّمار وإنّ المحافظة التي أبداها في آرائه هي موقف دفاعيّ عمّا يمكن أن يخلّص البلاد من الموت الحضاري ، لذا فقد رأيناه لايرفض الفلسفة كلّ الرفض ولا الحساب أيضاً إلّا في مدى معارضتهما للقيم الأصيلة بالمجتمع .
ومواقف التّوحيدي لم تقتصر على إبداء المعارضة لبوادر الدّمار المترقّبة بالمجتمع ، بل فيها تلميحٌ إلى وجود الإصلاح السّياسي والاجتماعي .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 278
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٧٨