والنّظرة إلى الإصلاح وإلى وسائله لا تختلف من حيث الجوهر عن النّظرة إلى هذه العناصر الجديدة المهدّدة للحضارة الإسلامية ، فرفض الجديد دفاعاً عن المجتمع وصوناً له من الدّمار والتّحطيم .
وحنين أبي حيّان إلى عهدٍ مَضى كان خلاله المجتمع آمناً في ظلال الإسلام ديناً والعدل سياسةً والوحدة اجتماعاً .
فلا صلاح لأمر المجتمع في رأي أبي حيّان الّا بإقامة سياسة شرعية وبسيادة قيم أخلاقية فاضلة وبوحدة اجتماعية متينه .
فلو كان أبوحيّان معاصراً لنا لقلنا هو مفكّر سلفيّ متحجّر .
لكن حسبه أن عاش بوعي المفكّر البصير ونظر إلى مجتمعه بعين النّاقد المنقّب عن مواطن الصّلاح والفساد .
إنّنا قد لا نوافق أباحيّان في مواقفه المحافظة ، إذ أنّ المجتمع في القرن الرابع الهجري قد تطوّر وهو بحاجة إلى عناصر جديدة لتستقيم الحياة فيه ، لكنّنا رغم ذلك نقدر فيه نزعته وميله إلى العدل السياسيّ وإلى التّضامن الاجتماعي وإلى وجود قيم أخلاقية فاضلة لأنّ تلك الأمور هي أساس الكينونة الحضارية .
نستطيع إذن أن نؤكّد في نهاية هذا العنصر أنّ لكتاب الإمتاع والمؤانسة قيمة ذهنية وأخرى واقعية ، فهو قد عبّر من ناحية عن مفهوم الثقافة في ذلك العصر وما اتّسمت به من موسوعية فكريّة ويظهر ذلك في تطرّق الكتاب إلى البحث في مواضيع كثيرة منها ما يتعلّق بالأدب ومنها ما يهتمّ بالفلسفة وبالدّين وبالنّفس وبالأخلاق وغيرها من المواضيع .
وهذه الرّوح الموسوعية ما زالت تعبّر عن نظرة ثقافية قديمة وهناك مثل سائر يقول : « الأدبُ هو الأخذُ من كلّ شيء بطرفٍ » ( ابن خلدون ، المقدّمة 476 ، السيوطي ، المحاضرات والمحاورات 23 ) . فلم تظهر بعد نزعة التخصّص التامّ وعكوف العالِم على الاهتمام بفنّ واحد .
والكتاب إلى جانب هذا الأمر نجده قد صوّر شؤون المجتمع وأحواله في القرن الرابع الهجري وأبرز ما يتهدّده من أخطار داخلية وخارجية ، تنذر في كلّ مظهر من مظاهرها بالدّمار الذي ينتظر
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 279
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٧٩