هذه النظرة المحافظة قد تحكّمت في كثير من المواقف الأخرى للمؤلّف ، فمثلًا عند حديثه عن الخلفاء في القرن الرّابع وعن دورهم في الحياة السياسية والاجتماعية ، لم يكن من قبيل الصُّدفة ، فنحن لا نجده يتحدّث عنهم كثيراً حتى في بقيّة كتبه والسّبب في ذلك هو أنّ خلفاء بني العبّاس كانوا سنّيّين ، بينما الوزراء والأمراء كانوا في أكثر الأحيان شيعيّين وكأنّ التّوحيدي ما زال يعتقد رغم كلّ الظّروف ورغم ما وقع للخلفاء من ضعف سياسيّ وقلّة نفوذ في الحياة العامّة ، بجلال الخلافة ، فلم يشأ أن يمسّ الخليفة بكلام سوء .
وهو وإن لم يتحدّث عن الخلفاء في عصره ، فإنّنا نراه كثيراً ما تحدّث عن سيرة الخلفاء الرّاشدين وعن خلفاء آخرين مثل : عبد الملك بن مروان أو عمر بن عبد العزيز خاصّة ليبرز فضائلهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية .
ومن مواقفه المحافظة في الميدان الفكري تفضيله لمنهج أبي سعيد السيرافي في اللّغة على منهج أبي علي الفارسي . إنّ هذا الموقف لم يتّخذه التوحيدي وفاءً لأستاذه فقط وإنّما اتّخذه لأنّ أبا علي الفارسيّ قد أدخل عنصري القياس والمنطق في اللّغة .
وكانت بينه وبين السّيرافي اختلافات كبرى حول عديد من المسائل اللّغوية وما هذه الاختلافات إلّا صورة بيّنة عن الصّراع الفكريّ بين القديم والجديد في المجتمع الاسلامي وقد وقف أبوحيّان مع القديم صراحة بمدحه علم أبي سعيد وذمّه علم أبي عليّ الفارسي .
يقول أحمد أمين مقارناً بين العالمين : « في الحقّ أنّ السّيرافي كان أشبهَ بالمحافظين ، يَروى ما يَسمعُ ويَحفظُ ما يَروى على كثرة ما يُروى وما يُحفظ ، في ثقةٍ وأمانةٍ وأنّ أبا علي كان حُرّاً مبتكراً قياسياً فتح للناس هو وتلميذه ابن جنّي أبواباً جديدةً في النّحو والتّصريفِ لم يَسبقا إليها . . . » ( أمين 1 : 243 ) .
وشبيه بهذا موقفه من الفلسفة والشريعة ؛ فقد فضّل الشّريعة على الفلسفة واعتبرها أكمل منها وما ذاك إلّا أنّ الفلسفة عنصر جديد في الفكر العربي الإسلامي جاء عن طريق التّرجمة فلهج به العلماء وردّدوا أفكار الفلاسفة اليونانييّن وغيرهم وكان لدخول الفلسفة أثركبير في ظهور مذاهب عقلية عملت على تجديد الفكر الاسلاميّ ، فاختلفت تلك المذاهب في ما بينها وترامت بالتكفير
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 277
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٧٧