لقلمه أن يخوضَ في عَرض ابن العميد وأن يمضى في قَدحِهِ وهجائه إلى هذا الحدّ ولكن الظّاهر أنّ خَيبةَ أمل أبي حيّان من وراء انتجاعه لفِناء ابن العميد هي التي حَدَتْ به إلى المبالغة في ذمّه والطّعْن فيه . » ( إبراهيم 42 ) .
ومن المواقف الأخرى التي اتّخذها أبوحيّان تحت مؤثّرات نفسيّة ، معارضته لثورة العيّارين سنة 362 . فقد صوّر أصحاب هذه الثّورة في أحقر الصّور ونعتهم بنعوت تدلّ على معارضته لكلّ ما أتوه من أعمال داخل المجتمع والسّبب في ذلك أنّه قد أصابه من العيّارين شرّ كبير ، إذ انتهب بيته وقتلت جاريته ، فأضحى مفلساً مُعدماً « لا يملكُ مع الشَّيطان فَجرَةً ولا مَعَ الغُراب نَقْرَةً « 1 » . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 3 : 162 ) .
فلا يمكننا أن نتوقّع من التّوحيدي إجلالًا لهذه الثّورة ولأصحابها ، إلّا أن يكون قد قتل من نفسه حسّاسيّتها وانفعالاتها وأساها وشجونها ووقف يتأمّل بعين العقل الأسباب الهيكلية والرّئيسية التي دفعت بالعيّارين إلى ذلك الفعل ويتفهّم ما عانوه من مهانة وخصاصة فيعذرهم ويقف إلى جانبهم وما كان أبوحيّان يعمل ذلك الفعل . فالوجدان من عناصر كيانه الرئيسية ، إلّا أنّه يجب أن نلاحظ أنّ التّوحيدي قد كان أكثر شدّة وقسوة على الصّاحب منه على العيّارين ، فكأن الإهانة المعنوية التي لاقاها من ابن عبّاد آلم في نفسه من الإفلاس الذي تركه العيّارون .
وليس كل مواقف المؤلّف في الإمتاع والمؤانسة وليدة الضّغوط النّفسية أو الوجدانية ، فهناك مواقف كثيرة وقفها بدافع المبدأ الذي يؤمن به ، نذكر منها خصوصاً موقفه من المتكلّمين فقد سبق أن بينّا في عنصر ( مواقف التّوحيدي من الحياة الفكرية ) عداءه الصّريح لهم وقد تجاوز فيه حدود المعارضة الفكريّة ، ليدعو عليهم بالشرّ ، وقد استنتجنا من ذلك مذهبه الدّيني فقلنا إنّه سنّيّ يقف في وجه ما أحدثه المتكلّمون من بحوث في الفكر الدينيّ الاسلامي ، وأشرنا إلى نقده لابن البقّال في قوله بتكافؤ الادلّة بين الخير والشرّ ( المصدر نفسه 3 : 191 ) .
هامش
( 1 ) - أي لا يملك ما يفجر به فجرة واحدة مع الشيطان ويشبهون العجلة في السجود بنقر الغراب ، فيريد بالثانية أنه لا يملك سجدة مستعجلة مع الغراب تشبه نقرة من نقراته ويريد بالعبارتين أنه لا يملك عملًا خبيثاً ولا طيّباً مهما قلّا .