تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وتطوّرت العلاقة بين الرّجلين في تلك المدّة حتى صارت منافسة يتواجهان فيها بالحدّة ، فكان الصّاحب كلّما أهان التّوحيدي بكلمة قاسية تلقى أخرى أقسى منها وقد أثبت معجم الأدباء رواية لأبي حيّان يقول فيها : « حضرتُ مائدةَ الصّاحب ، فقُدِّمت مُضيرةٌ ؛ فأمعنْتُ فيها فقال لي : يا أباحيّان إنّها تَضُرُّ بالمشايخ . فقلتُ : إن رأى الصّاحب أن يدَعَ التَطبُّبَ على طعامه فعل . فكأنّي ألقمتُه حجراً وخجل واستحيا ولم ينطق إلى أن فرغنا » ( الحموي 15 : 7 ) . وقال في موضع آخر : « قال لي ابن عبّاد يوماً : يا أباحيّان مَن كنّاكَ بابي حيّانٍ ؟ قلتُ : أجلُّ الناس في زمانه وأكرمُهم في وقته . قال : ومَن هُو ويلَكَ ؟ قلتُ : أنتَ . قال : ومتى كانَ ذلك ؟ قلت : حين قُلتَ يا أبَاحيّان من كنّاك أباحيّان ، فأضرَبَ عن هذا الحديثِ وأخذ في غيره على كراهةٍ ظَهرتْ عليه . » ( المصدر نفسه 15 : 12 ) . فالتّوحيدي قد رفض الإهانة المعنوية والمادّية التي كان يواجهه الصّاحب بها وذلك سرّ الفشل للعلاقة بينهما ؛ هذه العلاقة التي أفرزت في قلب المؤلف قرحاً لا يندمل . قال التّوحيدي في كتابه « مثالب الوزيرين » واصفاً آثار ما بقي في نفسه من صلته بابن عبّاد : « ولكنّي ابتليتُ بِهِ وكذلك هُو ابتلَى بِه ، ورماني عن قَوسِهِ معرقاً فأعزقت ما كان عندي على رأسِهِ مُغيظاً وحَرَمَني فازدريتُه وحقّرني فأخْزيتُهُ وخصّني بالخيبة التي نالت منّي ، فخصّصتُه بالغَيبة التي أحرقَتْهُ والبادي أظلَم والمنتصف أعْذَر . » ( التوحيدي 58 ) . فيظهر إذن أنّ التّوحيدي في حديثه عن الصّاحب ابن عبّاد في الإمتاع والمؤانسة ما زال متأثّراً بعاطفته الملتهبة غيظاً وحقداً والتي لم تشتفِ ولم تهدأ حتى بعد كتابة رسالة مثالب الوزيرين وهو سرّ التّباين الكبير بين تمجيد المؤرّخين وأصحاب التّراجم للصّاحب ابن عبّاد وتهجين أبي حيّان له . ونحن لا ننكر على التّوحيدي موقفه ، فهو أديب قد عبّر عما خالج ذاته من مشاعر والأدب الصادق هو ما كانت بعض منابعه وموارده خلجات النفس في غضبها ورضاها . وموقف أبي حيّان من ابن العميد مشابه كثيراً لموقفه من الصّاحب إذ أنّه قد صدر عن نفسٍ متألمة للحرمان الذي لاقته منه . يقول الدكتور زكريا إبراهيم : « قد يعجبُ المرءُ كيف ارتضى أبوحيّان