فيظهر من هذه الفقرة وعي أبي حيّان التامّ بالخلفيّات التي تتحكّم فيه عند الحديث عن الصّاحب والوعي عادةً يحرّر صاحبه من الضغوط ويوجّه مواقفه وجهة موضوعية وعلمية ، لكن الذي يبدو أن ما كان بين الرّجلين لا يستطيع مسح هذه الخلفيات .
نحن نجد في كلام أبي حيّان إحساساً قوياً بالألم الذي خلّفته صلته بالصاحب ابن عبّاد ، من ذلك عبارات : « مظلومٌ من جهته ، شديدُ الغيظ لحرماني وأربَيتُ مُنتصِفاً . . . » إلّا أنّ الإمتاع والمؤانسة لا يعطينا صورة أدقّ عن العلاقة بينهما غير ما وصفته به هذه العبارات .
وبعودتنا إلى كتاب مثالب الوزيرين ، وقفنا على كلّ فصول القصّة بين الرّجلين وهو ما ساعدنا على تفسير موقف أبي حيّان من الصّاحب .
فقد انتجع التوحيدي ، الصّاحب بأملٍ كبير في أن ينتزع عنه رداء الفقر والمهانة وفي أن يتخلّص من ضنك البؤس والحرمان اللذين أضنيا حياته وكدّاها . فلمّا وصل إليه كلّفه الصّاحب بنسخ الكتاب ؛ فانزعج وأسرّ لمن كان في الدار : « انّما توجّهتُ من العراق إلى هذا الباب وزاحمتُ مُنتَجعي هذا الرّبيع لأتخلّص من حِرفة الشُؤم ، فإنّ الوراقةلم تكن ببغداد كاسدةً ، فنمي اليه هذا أو بعضه أو على غير وجهه فزاده تفكُّراً . » ( الحموي 1934 : 5 ، التوحيدي ، مثالب الوزيرين 203 )
وكلّفه مرّةً أخرى أن ينسخ ثلاثين مجلّدة من رسائله بدعوى أنّها مطلوبة في خراسان فارتاع وقال : « هذا طويلٌ ولكن لو أذن لي أخْرَجتُ منه فِقَراً كالغُرَرِ ، لو رُقىَ بها مجنونٌ لأفاقَ ولو نُفِثَ على ذي عاهَةٍ لبرأَ . . . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 325 - 326 ) .
وقد سمع ابن عبّاد هذا الكلام فآلمه أن ينصبّ التوحيدي نفسه ناقداً وحاكماً يميّز الحسن من الردئ في رسائله ، فقال متوعّداً : « طعَن في رسائلي وعابها ورَغِبَ عن نَسْخِها وأزرَى بها والله لينكرنَّ منّي ما عَرفَ وليعرفنَّ حظَّهُ إذا انصرف » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
وفعلًا برّ الصّاحب بقسمه فقسا على أبي حيّان أشدّ قسوةً وحرمه من أجرة النسخ طيلة ثلاث سنين فلم يعطه درهماً واحداً ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 14 : 1 ، الحموي 13 : 15 ) .
هذا هو أبرز سبب جعل المؤلّف يسخط على ابن عبّاد وهو ضياع أمله في الخروج من ضنك العيش .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 274
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٧٤