ونؤكّد كذلك أنّ التوحيدي لم تبتعد آراءه ومواقفه عن أفكار عصره ، فانطبعت هذه الصورة العامّة بنظرة المؤلّف وبعقيدته ولعلّ ذلك ما يفسّر لنا تلك الاختلافات الجزئيّة بينه وبين غيره من الكتب .
أمّا إذا أردنا نقد مواقف المؤلّف في الإمتاع والمؤانسة فإنّنا نقول :
إنّ المواقف التي اتّخذها أبوحيّان التّوحيدي من مختلف قضايا عصره ، تعبّر عموماً عن عدم رضاه بالواقع السائد في المجتمع وعن تربّصه بالعصر قيماً بديلةً وحسنة لتخلف القيم الفاسدة .
وقد تلوّنت صورة المجتمع المرسومة في الإمتاع والمؤانسة رغم اكتسابها عامّة الطابع الوثائقي بمواقف المؤلّف وانطباعاته وانفعالاته .
5 - 5 - تقييم مواقف التّوحيدي :
ونحن في هذا المقام نريد أن نقيّم تلك المواقف محدّدين مختلف الأسباب الذّاتية أو العامّة الدافعة إليها .
لقد اتّخذ أبوحيّان مواقف عديدة في الإمتاع والمؤانسة تحت ضغوط نفسيّة حادّة تمكّنت منه ولم يستطع التجرّد من تأثيراتها عند التّصريح برأيه .
على سبيل المثال إذا نظرنا إلى موقفه من الصّاحب ابن عبّاد نجده أبرز دليلٍ على ذلك وقد اعترف التّوحيدي نفسه بذلك صراحةً عندما طلب منه الوزير ابن سعدان أن يحدّثه عن شخصية الصاحب ، فقال ممتنعاً من الجواب :
« إنّي رجلٌ مظلومٌ من جَهته وعاتبٌ عليه في معامَلتي وشديدُ الغَيظِ لحرماني وإن وصفتُه أربَيْتُ مُنتصِفاً وانتصفتُ منه مُسرفاً ، فلوكنتُ معتدلَ الحال بين الرّضا والغَضَب أو عارياً منهما جُملةً ، كان الوصفُ أصدقَ والصّدقُ به أخلَقَ . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 53 : 1 - 54 ) .