تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
وحكى لنا أبوحيّان التوحيدي حادثة انتحار فظيعة فقال : « شاهدنا في هذه الأيّام شيخاً من أهل العلم ساءت حالُهُ وضاق رزقُهُ واشتدّ نُفورُ الناس عَنه ومقت معارفُهُ له ، فلمّا توالى عليه هذا ، دَخلَ يوماً منزلَهُ ومدّ حَبلًا إلى سقف البَيتِ واختنق بِهِ ، فلمّا عرفنا حالَهُ جَزعنا وتوجَّعْنا وتناقلنا حديثَه وتصرَّفنا فيه كلَّ مُتَصرّف » وأخذ أبوحيّان وأصحابه يتجادلون في أنّه له الحقّ في الانتحار أو لا . ( التوحيدي ، المقابسات 219 ) . هذا شأن العلماء ، أمّا عامّة الشعب فكانوا أسوأ حالًا . وفي معجم الأدباء ، وجدنا أمثلة موجعة عن بؤس المفكّرين في عصرهم ذاك ، فهذا أبو بكر القومسي الفيلسوف شكا الفقرَ بقوله : « ماظننتُ أنّ الدّنيا ونكدَها تبلُغُ من إنسانٍ ما بلغ منّي ، إن قَصَدتُ لأغتسلَ منها نَضبَ ماؤُها وإن خَرَجتُ إلى قِفارٍ لأتيمَّمَ بالصّعيدِ عاد صَلداً أملساً . » ( الحموي 10 : 15 ) وهذا المعافي بن زكريا النهرواني : « قد نامَ مُستدبرَ الشّمس في يومٍ شاتٍ وبه من أثرِ الفقر والبُؤس أمرٌ عظيمٌ مع غزارة علمه واتّساع أدبه وفضله المشهُور » ( المصدر نفسه 151 : 19 ) . والأمثلة في هذا الموضوع كثيرة وذاك ما يدلّ على شدّة الغبن الذي كان يحياه المفكّرون في ذلك العصر . بعد هذه المقارنات بين الصورة التي قدّمها لنا كتاب الإمتاع والمؤانسة وبين ما جاء في المراجع الأخرى من حديث عن القرن الرابع الهجري ، نستطيع أن نوكّد ما يلي : - أنّ الكتاب يتفّق مع بقية المراجع بصورة عامّة في إبراز خصائص العامّة في ذلك العصر ، أمّا الاختلافات الموجودة بين الإمتاع والمؤانسة وبين غيره من الكتب ، فإنّما هي اختلافات جزئية تخصّ دقّة بعض المعلومات أو وضوح بعض الصّور ولذا فإنّنا نقرّ بوجود قيمة وثائقية عامّة للكتاب رغم النقائص التي بيّناها في بداية هذا الفصل . ثمّ إنّ التوصّل إلى استخراج هذه القيمة يتطلّب جهداً كبيراً ، لتشتّت المعلومات وتوزّعها على كلّ أجزاء الكتاب ويبدو لنا هذا الأمر طبيعياً إذ أنّ كتاب الإمتاع والمؤانسة كتاب أدب وليس كتاب تاريخ .