وكم كان أبوحيّان التوحيدي صادقاً في تصوير سوء منزلة المفكّرين في عصره ، فقد أثبتت كتب التّراجم بؤس كلّ مفكّرلم يتّصل بأمير أو وزير وهو ما بيّنه أبوحيّان في الإمتاع والمؤانسة ، عندما أبرز شدّة الخصاصة التي عاناها هو وعاناها أبو سليمان السجستاني وابن يعيش الرقّي وغيرهم .
كما أنّه نفسه مع علمه الواسع وأدبه الفيّاض وفلسفته وبلاغته واتّصاله بالوزراء والعلماء وكدّه في الحياة بالوراقه ونسخ الكتب وتآليفه الغزيرة ، يقول محدثاً عن نفسه :
« ولقَد اضطررتُ بينَهم بعد الشُّهرة والمعرفةِ في أوقات كثيرةٍ إلى أكْلِ الخُضْر في الصَّحراء ، وإلى التكفُّف الفاضِحِ عند الخاصّة والعامّة ، وإلى بيعِ الدّين والمُروءَةِ ، وإلى تَعاطي الرّياءِ بالسُّمعة والنِّفاق ، وإلى ما لا يَحسُنُ بالحُرّ أن يَرسمُهُ بالقَلم ، ويَطرحُ في قلبِ صَاحِبِه الألمَ . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 21 : 1 ) .
وهذا أبوالعبّاس المعروف بابن الخبّاز الموصلي ، كان من كبار النحوييّن والأدباء قال في خطبة كتابه المسمّى « بالفريدة في شرح القصيدة » :
« ومن عَلمَ حقيقةَ حالي ، عَذرني إذا قصّرتُ فإنّ عندي من الهموم ما يَزعُ الجِنانُ عَن حفظه ويكفُّ اللّسانُ عن لَفظِهِ :
ولَو أنَّ ما بي بالجِبالِ لهَدَّها * وبالنّار أطفاها وبالماء لم يجرِ
وبالنّاسِ لم يحيوا وبالدَّهرِ لم يكنْ * وبالشَّمسِ لم تطلُعْ وبالنَّجمِ لم يسرِ
وأنا أسال الله العظيمَ أن يكفيني شرَّ شَكواى وألّا يزيدني على بَلواي ، فإنّي كلّما أردتُ خفضَ العيشِ صار مرفوعاً وعاد بالحزن سببُ المسرّة مقطوعاً والله المستعانُ في كلِّ حالٍ » ( أمين 1 : 97 ) .
وهذا الخطيب التبريزي كان له نسخة من كتاب « التّهذيب في اللغة » للأزهري في عدّة مجلّدات أراد تحقيق ما فيها وسماعها على عالم اللّغة فدلّ على أبي العلاء المعرّي ، فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى معرّة النعمان ولم يكن له من المال ما يستأجر به ما يركبه ، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثّر فيها البَلَلُ ومن شعره :
« فمَنْ يَسأمْ من الأسْفارِ يَوماً * فإنّي قد سَئِمتُ من المُقامِ
أقمنا بالعراقِ على رجالٍ * لِئامٍ يَنْتَمون إلى لئامِ »
( الحموي 6 : 28 )