نفس هذه الملاحظة تنطبق على الصّورة العامّة التي قدّمها لنا التّوحيدي عن الحياة الفكرية ، فقد أبرزكتاب الإمتاع والمؤانسة تعدّد المشاغل الفكريّة في القرن الرابع من العلوم اللّغوية إلى الفلسفة إلى علوم الدّين والأدب وغيرها ، وإنّ نظرة بسيطة إلى كتب تاريخ الأدب تجعلنا نقف على حركة فكرية نشيطة في القرن الرابع الهجري ، أخذت فيها كلّ المعارف حظّها من الاهتمام والتطوّر . فقد تجاوزت الدّراسات اللغوية العراق لتصل إلى مصر والأندلس ؛ فممّا يحكى أنّ طالبين مصرييْن درسا النّحو والصرف ببغداد « ثمّ عادا إلى مصر ، فملّاها نحواً وصرفاً . . . وكوّنا مدرسة في القاهرة تشبه مدرسة الزجّاج في بغداد . » ( أمين 120 : 2 ) .
وتطوّرت الدّراسات اللّغوية بتأثير الفلسفة اليونانية وقد كان أبو الحسن الرّمّاني « 1 » أوّل من مازج بين النّحو والمنطق فأحدث ذلك نقاشاً حول أيّهما أفضل النحو العربي أم النحو اليوناني . ( المصدر نفسه 2 : 123 ) .
وقد أعطانا التوحيدي مثالًا حول هذا النّقاش عندما روى لنا المناظرة التي دارت بين أبي سعيد السّيرافي ومتّى بن يونس القنّائي وتعبّر هذه المناظرة عن وثيقة فريدة من نوعها احتفظ لنا بها كتاب الامتاع والمؤانسة .
وعندما نقارن بين الصّورة التي قدّمها لنا كتاب الإمتاع والمؤانسة عن العلوم الصّحيحة وما تعرّضت إليها الكتب الأخرى نلمس الفرق بيّناً ، لأنّ حديث التّوحيدي في هذه العلوم كان باهتاً لا يعكس ما وصلت إليه في القرن الرابع الهجري من دقّة وتطوّر ، فقد نشطت هذه الحركة في كلّ البلاد الاسلامية ونبغ في كلّ علمٍ رجالٌ طوّروه . يقول أحمد أمين في وصف ما وصلت إليه تلك العلوم في ديار الاسلام : « وقد عَنيت طائفةٌ بها وتقدّمت تقدُّماً كبيراً في هذا القرن الرابع وتفاخَرَ الملوكُ والأمراءُ بها وزيّنوا أقطارَهم بها ، فجبريلُ ابن بختيشوع في العراق وابن الهيثم في العراق ومصر وعلي بن رضوان في مصر وابن البيطار النباتي وغيرهم . » ( ظهر الإسلام 191 : 2 ) .
هامش
( 1 ) - هو علي بن عيسى أبو الحسن الرّمّاني ، كان اماماً في العربية وعلّامة في الأدب وكان معتزلي المذهب مات سنة 384 . ( الزركلي 317 : 4 ، ابن كثير 273 : 11 ) .