وقد رأينا كيف صوّر كتاب الإمتاع والمؤانسة انتشار ظاهرة المجون في الكلام وهي ظاهرة تؤيّدها المصادر الأخرى .
فقد تحدّث أبوحيّان عن انشغال الأمير عزّالدولة بالقَصف والعزف وولوعه بالصّيد وها هو مسكويه في كتابه تجارب الأمم يؤكّد نفس هذه الصورة يقول متحدّثاً عن عزّالدولة :
« وكان يحبّ أن يقضي أوقاته في الصّيد والأكل والشّرب والسّماع واللّهو واللّعب بالنَّرد وتحريش الكلاب والدِّيكةِ والقَباج « 1 » . . . وقد اتّقق مرة أن أُسِرَ له غلامٌ تركيٌّ فجُنّ عليه جنوناً وتسلّى عن كلّ شيء خرج عن يده إلّا عنه وامتنعَ عن الطّعام والشَّراب وانقطع إلى النَّحيب والشَّهيق والعَويل . » ( مسكويه 349 : 6 ، متز 59 : 1 - 60 ) .
ومن الوزراء الذين اشتهروا بالمجون أبوالعبّاس الخصيبي الذي « كان يواصلُ شربَ النّبيذ باللّيل ، والنّومَ بالنهار في أيّام وزارته كلّها وكان ينتبه مخموراً لا فضلَ فيه للعمل . » ( متز 1 : 193 ) . وعزل هذا الوزير بعد سنة وشهرين من الوزارة « بالقبض عليه وحبسه وذلك لإهماله أمر الوزارة وذلك لإنشغاله بالخمر في كلّ ليلة فيصبح مخموراً لا تمييز له ، ووكّل الأمور إلى نوّابه فخانوا وأعملوا مصالحَهم . . . » ( ابن كثير 154 : 11 ، ابن خلدون 467 : 3 ، ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 314 : 8 ، الزهري 288 : 2 ) .
هذه إذن خصائص الحياة الاجتماعية في كتاب الإمتاع والمؤانسة تبدو معبّرة عن الصورة العاّمة لأحوال العصر بما فيها من تباين اجتماعي وفساد أخلاقي وهذه الصّورة لا تخصّ مدينة بغداد وحدها أو الدولةَ البويهيّة فقط ، بل هي تعمّ أحوال المجتمع الإسلامي بكلّ أقسامه مع اختلاف في جزئيّات بعض الأمور وذلك ما يجعل الكتاب صادقاً في اتّصاله بالواقع الاجتماعي وفي التّعبير عن خصائصه العامّة وهو ما يعبّر عن وعي المؤلّف للأحداث التي تعيشها البلاد .
5 - 4 - دراسة وتحليل الحياة الفكرية في الإمتاع والمؤانسة :
هامش
( 1 ) - القَباج : مفرده القَبَج : وهو الحَجَل وهو جنس طيور تُصاد . ( المعجم الوسيط ، مادة قبج ) .